مونيكا ويت.. من حارسة أسرار واشنطن إلى أداة بيد طهران لأخطر انشقاق استخباراتي أمريكي

في واحدة من أبرز قضايا الاختراق الاستخباراتي التي هزّت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، تحولت الضابطة السابقة في سلاح الجو الأمريكي، مونيكا ويت، من عنصر متخصص في مكافحة التجسس إلى متعاونة مع إيران، في مسار اعتبرته واشنطن نموذجًا خطيرًا للتجنيد القائم على الدوافع الأيديولوجية لا المالية.
مسيرة عسكرية داخل مواقع حساسة
التحقت ويت بسلاح الجو الأمريكي عام 1997، واستمرت في الخدمة حتى عام 2008، وبلغت رتبة رقيب فني. تخصصت في تحليل واعتراض الاتصالات السرية، بعد أن درست اللغة الفارسية في معهد اللغات الدفاعي. لاحقًا انضمت إلى مكتب التحقيقات الخاصة التابع للقوات الجوية، وهو أحد أكثر الأجهزة حساسية داخل منظومة الاستخبارات العسكرية الأمريكية.
خلال هذه الفترة، حصلت على تصاريح أمنية تخول لها الاطلاع على معلومات دفاعية بالغة السرية، تضمنت هويات عناصر استخبارات أمريكيين وطرق عملهم وأساليب التواصل والانتشار.
استمرار الوصول إلى المعلومات بعد الخدمة
بعد إنهاء خدمتها العسكرية، واصلت العمل في مجال الأمن القومي بصفتها متعاقدة مع جهات دفاعية، ما أبقى صلتها بالمعلومات الحساسة قائمة، وجعلها هدفًا ذا قيمة لأجهزة استخبارات أجنبية تسعى لاختراق المنظومة الأمريكية من الداخل.
التحول الفكري.. بداية الانشقاق
تشير التحقيقات إلى أن دوافع ويت لم تكن مالية، إذ لم يُعثر على أدلة تُظهر حصولها على مبالغ مالية كبيرة أو حسابات سرية. وبدلًا من ذلك، بدأ تحولها التدريجي خلال انتشارها في العراق عام 2005، حيث انخرطت في دراسة الإسلام، وبدأت في انتقاد السياسات الخارجية الأمريكية.
ومع التحاقها ببرنامج دراسات الشرق الأوسط في جامعة جورج واشنطن، أصبح تحولها الفكري أكثر وضوحًا، إذ عبّرت علنًا عن مواقف مؤيدة لإيران ومنتقدة للعقوبات المفروضة عليها، ما أثار قلق بعض المحيطين بها.
مؤتمر طهران.. نقطة التحول الحاسمة
في عام 2012، سافرت ويت إلى طهران لحضور مؤتمر نظمته منظمة “نيو هورايزون”، التي تصنفها واشنطن كواجهة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. وقدّم المؤتمر نفسه كفعالية ثقافية، لكنه تحول — وفق الاتهامات الأمريكية — إلى منصة استقطاب وتجنيد.
خلال مشاركتها، ظهرت ويت في وسائل إعلام إيرانية وهي تنتقد الجيش الأمريكي، رغم استمرارها آنذاك في العمل متعاقدةً دفاعية وتحمل تصاريح أمنية سارية.
تحذير رسمي لم يمنع التصعيد
في مايو 2012، اعتبر مكتب التحقيقات الفيدرالي ويت مصدر تهديد محتمل، وأخضعها لجلسة تحذير رسمية بشأن محاولات تجنيد إيرانية. غير أن هذا التحذير لم يوقف تواصلها مع جهات إيرانية، ما اعتُبر لاحقًا أحد أوجه القصور في منظومة مكافحة التجسس.
إعلان الانشقاق والانتقال إلى إيران
في أغسطس 2013، أرسلت ويت وثائق خدمتها وسيرتها المهنية إلى جهة اتصال إيرانية لإثبات نيتها التعاون. وبعد أيام، غادرت دبي متجهة إلى طهران، وكتبت رسالة قالت فيها إنها “عائدة إلى الوطن”، في إشارة فسّرها المحققون على أنها إعلان واضح لانحيازها السياسي والنفسي الكامل.
عقب وصولها، وفرت لها السلطات الإيرانية سكنًا وتجهيزات للعمل، لتبدأ مرحلة جديدة من التعاون الفعلي مع الأجهزة المعنية هناك.
استغلال المعرفة الداخلية
لم يقتصر دورها على طلب اللجوء، بل ساعدت — وفق الاتهامات الأمريكية — في إعداد ملفات تفصيلية عن زملائها السابقين في الاستخبارات الأمريكية، مستفيدة من خبرتها ومعرفتها الشخصية بهم.
واستخدمت هذه البيانات في عمليات إلكترونية استهدفت حسابات ضباط استخبارات أمريكيين بين عامي 2014 و2015، عبر هجمات تصيد واختراق إلكتروني، في نموذج يجمع بين العنصر البشري والعمليات السيبرانية.
اتهامات وملاحقة مستمرة
في عام 2019، وجهت وزارة العدل الأمريكية إلى ويت اتهامات تتعلق بنقل معلومات دفاع وطني إلى حكومة أجنبية. ولا تزال مدرجة على قائمة المطلوبين لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي، مع اعتقاد بأنها تقيم داخل إيران.
دلالات القضية
تكشف هذه القضية تحديات متزايدة تواجه أجهزة الأمن، خصوصًا في ما يتعلق بالتجنيد القائم على القناعة الفكرية، الذي يُعد أصعب في الرصد من التجنيد المدفوع بالمال. كما تسلط الضوء على مخاطر استغلال الفعاليات الثقافية كقنوات تواصل أولية، وعلى تصاعد التداخل بين العمل الاستخباراتي التقليدي والهجمات السيبرانية.
وتبقى قضية مونيكا ويت مثالًا بارزًا على التحول من موقع الحماية إلى موقع الاختراق، في واحدة من أكثر ملفات التجسس حساسية بين واشنطن وطهران.



