تقارير

من يخلف خامنئي؟ معركة سرية تحدد مستقبل إيران والمنطقة

كتبت: هدير البحيري

تجد إيران نفسها اليوم في لحظة فارقة لم تشهدها منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية قبل أكثر من أربعة عقود.

فاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في غارات أمريكية وإسرائيلية لم يفتح فقط بابًا واسعًا للأزمة السياسية، بل وضع الدولة أمام اختبار وجودي يتعلق ببنية النظام نفسه، وبمستقبل موقع المرشد الذي يعد حجر الأساس في منظومة الحكم.

وبينما تتواصل الضربات العسكرية ويتصاعد التوتر الإقليمي، تبدو طهران أمام مرحلة انتقالية معقدة تتداخل فيها الحسابات الدينية والسياسية والأمنية.

ولاية الفقيه بين الاستمرارية والتحديات

يقوم النظام الإيراني على مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنح المرشد سلطة مطلقة على مؤسسات الدولة، من الجيش والحرس الثوري إلى الحكومة والبرلمان.

وقد شكل هذا الموقع، في عهد الخميني ثم خامنئي، مركز القرار في كل الملفات الكبرى، خصوصًا السياسة الخارجية والبرنامج النووي.

ومع غياب المرشد، تنتقل السلطة مؤقتًا إلى مجلس قيادة ثلاثي يضم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني أجئي، وعضو مجلس صيانة الدستور علي رضا أعرافي. لكن هذا الترتيب المؤقت لا يلغي حقيقة أن البلاد تدخل مرحلة حساسة تتطلب اختيار قائد جديد قادر على تثبيت شرعيته في ظرف استثنائي.

كيف يتم اختيار المرشد الجديد؟

يتولى مجلس خبراء القيادة، المؤلف من 88 رجل دين منتخبين، مهمة اختيار المرشد. ورغم أن المجلس يمتلك صلاحية دستورية واسعة، فإن تركيبته تخضع عمليًا لنفوذ مجلس صيانة الدستور، الذي يحدد مسبقًا من يحق له الترشح لعضويته.

وهذا يجعل عملية الاختيار محكومة بشبكة النفوذ التي بناها خامنئي داخل المؤسسات الدينية والأمنية.

إلا أن التطورات الأخيرة، خصوصًا الضربات التي طالت قيادات بارزة في الحرس الثوري، تطرح تساؤلات حول قدرة هذه المؤسسة على فرض مرشحها كما كان متوقعًا في السابق.

المرشحون المحتملون: بين التشدد والإصلاح

تتوزع الشخصيات المطروحة لخلافة خامنئي بين تيارين رئيسيين: المتشدد والإصلاحي.

مجتبى خامنئي

الابن الأكثر نفوذًا للمرشد الراحل، يتمتع بعلاقات وثيقة مع الحرس الثوري، لكنه لم يشغل منصباً رسمياً. ورغم حضوره القوي في الكواليس، فإن فكرة التوريث قد تثير حساسية داخل النظام الذي طالما انتقد الحكم الوراثي.

علي رضا أعرافي

عضو مجلس القيادة المؤقت، يحظى بحضور مؤسسي قوي داخل الحوزات الدينية ومجلس صيانة الدستور، ويعد خيارًا محتملًا للتيار المحافظ الذي يسعى للحفاظ على نهج خامنئي التقليدي.

حسن روحاني

الرئيس الأسبق وأحد أبرز وجوه التيار المعتدل، وبالرغم من أنه فقد جزءًا من نفوذه بعد استبعاده من مجلس الخبراء في 2024، لكنه يبقى رمزًا للتيار المعتدل والإصلاح السياسي والدبلوماسي.

حسن الخميني

حفيد مؤسس الجمهورية، يحظى بقبول الإصلاحيين، وقد ينظر إليه كخيار قادر على تهدئة الداخل وفتح قنوات مع الغرب.

محمد مهدي ميرباقري

رجل دين متشدد وعضو مجلس الخبراء، معروف بمواقفه الصدامية تجاه الغرب ويحظى بدعم التيار المحافظ.

كما تبرز أسماء أخرى من التيار المتشدد، مثل أحمد علم الهدى ومحسن أراكي، اللذين يمتلكان نفوذًا واسعًا داخل المؤسسة الدينية ويشكلان ضغطًا إضافيًا على عملية الاختيار.

الحرس الثوري.. لاعب مضطرب في لحظة حاسمة

يعد الحرس الثوري أحد أكثر الفاعلين تأثيرًا في مسار اختيار المرشد الجديد، بحكم موقعه المركزي في المنظومة الأمنية والعسكرية للدولة، وإشرافه على تشكيلات مثل الباسيج، إضافة إلى امتلاكه شبكة نفوذ اقتصادي واسعة عبر مؤسسات وشركات كبرى من بينها “خاتم الأنبياء”.

ورغم أن اختيار المرشد يتم دستوريًا عبر مجلس خبراء القيادة، فإن الوزن الأمني والاقتصادي للحرس يمنحه قدرة مؤثرة في موازين القوى خلال المرحلة الانتقالية، دون أن يمتلك سلطة قانونية مباشرة في عملية الاختيار.

خلافة المرشد: نفوذ الحرس وتداعيات الداخل والخارج

وقالت الباحثة في الشؤون الإيرانية إسراء جبريل في حديث لـ”داي نيوز” إن الحرس الثوري الإيراني ليس جهة دستورية مخولة باختيار المرشد الأعلى، فدستور الجمهورية الإسلامية ينيط هذه المهمة بـ “مجلس خبراء القيادة” وفق المادة 107، إلا أن الواقع السياسي يمنح الحرس نفوذًا واسعًا في المشهد الداخلي.

أدوات النفوذ والسيطرة

وأوضحت جبريل أن الحرس الثوري يمثل المؤسسة الأكثر تنظيمًا وتسليحًا وتمويلًا في البلاد، ويملك أدوات نفوذ متشابكة تشمل القوة العسكرية عبر قواته النظامية وأذرعه مثل الباسيج، والهيمنة الاقتصادية عبر تكتلات كبرى أبرزها مقر خاتم الأنبياء، الذي يوصف بأنه الذراع الاقتصادية الضخمة للحرس.
وأضافت أن الحرس لا يقوم بتعيين المرشد بشكل مباشر، لكنه قادر على ترجيح كفة مرشح محدد عبر الضغط غير المباشر، من خلال توجيه رسائل للنخبة الدينية، وضبط الشارع، وتأمين المؤسسات الرسمية، ومنع أي انقسام داخل السلطة.
كما تمتلك المؤسسة خبرة طويلة في تحييد المعارضة الداخلية، خصوصًا بعد احتجاجات 2009 و2022، لكنها لا تستطيع القضاء على السخط الاجتماعي، بل تقتصر على احتوائه أمنيًا للحفاظ على استقرار النظام.

التداعيات الاقتصادية المحتملة

وأكدت جبريل أن أي اضطراب سياسي كبير سيؤدي غالبًا إلى هبوط قيمة العملة وارتفاع التضخم، نظرًا لهشاشة الاقتصاد الإيراني تحت وطأة العقوبات.
وأشارت إلى أن الاستثمارات الأجنبية محدودة أساسًا، ما يجعل التأثير الأكبر على سوق الصرف والطاقة والتجارة الإقليمية، وليس نزوحًا ضخمًا لرؤوس الأموال الأجنبية.
ويتوقع أن ينقسم الإيرانيون في رؤيتهم للمستقبل الاقتصادي، فبعضهم قد يرى في التغيير السياسي فرصة لتخفيف العقوبات وتحسين الظروف، فيما يخشى آخرون من تشدد أكبر يعمّق العزلة الاقتصادية ويزيد معاناة المواطنين.

التوترات الإقليمية وصعود المرشد الجديد

قالت جبريل إن صعود مرشد براجماتي قد يتيح عودة مسار تفاوضي شبيه بالاتفاق النووي الإيراني عام 2015 مع مجموعة 5+1، لكن حتى المرشد المعتدل سيظل مقيدًا بالمؤسسات الأمنية المحافظة، ما يجعل التهدئة ممكنة لكن محدودة.
أما صعود مرشد متشدد، فسيعزز سياسة “الردع القصوى” وقد يسرع البرنامج النووي ضمن حدود تقنية واقعية.
وأشارت إلى أن تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأخيرة تظهر توسعًا في تخصيب اليورانيوم بمستويات مرتفعة، ما يزيد من خطر الاحتكاك الإقليمي ويقلل فرص التفاهم مع المجتمع الدولي.

المخاطر الأمنية والسياسية أثناء الانتقال

أوضحت جبريل أن الخطر الأول يكمن في فراغ السلطة الرمزي، إذ يمثل المرشد مركز الشرعية العليا للنظام، وأي تأخير في اختيار بديل قد يخلق ارتباكًا بين مراكز القوة، خاصة في ظل التصريح الأخير لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن القوات المسلحة باتت تمتلك استقلالية في اتخاذ قراراتها.
أما الخطر الثاني فهو الانقسام المحتمل داخل النخبة بين تيار أمني–محافظ وتيار براجماتي، مما قد يؤدي إلى صراع على التوازن داخل المؤسسات.
وأضافت أن الخطر الثالث يتمثل في احتمال تصعيد خارجي إذا تم تفسير انتقال السلطة كعلامة على ضعف النظام.

العلاقات الخارجية واستمرار اختبار القيادة

وذكرت جبريل أن شخصية المرشد الجديد قد تؤثر على العلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها لن تغير العداء البنيوي الراسخ منذ عام 1979.
وأوضحت أن دول الجوار، خاصة دول الخليج، ستواصل اختبار نوايا القيادة الجديدة عبر قنوات أمنية ودبلوماسية، كما حدث في التقارب الإيراني–السعودي بوساطة صينية عام 2023.
وأضافت أن أي تغيير محتمل في مسار البرنامج النووي سيكون تدريجيًا، لأن المشروع أصبح مشروع دولة متعدد المؤسسات، بينما تبقى قدرة التيار الإصلاحي على فرض مرشحه محدودة، نظرًا لهيمنة المحافظين على مجلس خبراء القيادة وآلية الاختيار التي تم هندستها عبر مجلس صيانة الدستور.

السيناريو الأكثر ترجيحًا

واختتمت جبريل حديثها بالإشارة إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو تسريع اختيار شخصية محافظة مقبولة من المؤسسة الأمنية لتفادي فراغ السلطة، بينما يبقى خيار القيادة الجماعية ممكنًا دستوريًا لكنه أقل احتمالًا، نظرًا لتعقيده لمركز القرار في لحظة أزمة حرجة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى