مضيق هرمز: من ممر للطاقة إلى عامل ضغط عالمي يهدد أسعار الغذاء

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، عاد مضيق هرمز إلى واجهة المشهد العالمي، ليس فقط باعتباره شريانًا حيويًا لنقل النفط، بل أيضًا كنقطة اختناق رئيسية تؤثر بشكل مباشر على تجارة الأسمدة، ما يثير مخاوف من موجة تضخم غذائي عالمية خلال عام 2026.
يمر عبر هذا المضيق نحو 30% من تجارة الأسمدة عالميًا، بما يشمل اليوريا والأمونيا والفوسفات، وهي عناصر أساسية في الإنتاج الزراعي. ومع تصاعد التوترات، بدأت سلاسل الإمداد المرتبطة بهذه المواد الحيوية في التعطل، ما انعكس سريعًا على الأسواق العالمية.
أولى الإشارات جاءت من القفزة الكبيرة في أسعار اليوريا، التي ارتفعت بنسبة تتراوح بين 30% و40% منذ بداية الأزمة. وتشير تقديرات إلى أن ما يصل إلى 70% من الإمدادات العالمية قد يصبح معرضًا للخطر إذا استمرت الاضطرابات.
ولا تتوقف الأزمة عند تعطل الشحن فقط، إذ يعتمد إنتاج الأسمدة النيتروجينية بشكل كبير على الغاز الطبيعي، الذي شهد بدوره ارتفاعات ملحوظة وصلت في بعض الأسواق إلى نحو 60%. ومع تجاوز أسعار النفط مستوى 100 دولار للبرميل، تتزايد الضغوط على تكاليف الإنتاج الزراعي والنقل، ما يضيف عبئًا إضافيًا على أسعار الغذاء.
هذه العوامل مجتمعة بدأت بالفعل في التأثير على الأسواق، حيث سجل مؤشر أسعار الغذاء العالمي أول ارتفاع له منذ خمسة أشهر، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة.
ومن المتوقع أن تظهر التأثيرات بشكل تدريجي:
على المدى القصير (4 إلى 6 أسابيع): ارتفاع أسعار الخضروات، خاصة تلك التي تعتمد على البيوت الزراعية نتيجة زيادة تكاليف الطاقة.
على المدى المتوسط (3 إلى 6 أشهر): ارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل القمح والشعير ومنتجات الألبان، مع انتقال تأثير ارتفاع تكاليف الأسمدة والطاقة عبر سلاسل الإنتاج.
وتشير التوقعات إلى أن التضخم الغذائي العالمي قد يصل إلى 4.8% خلال عام 2026، مع احتمال تجاوزه 8% في حال تفاقمت أزمة الطاقة واستمرت التوترات.
أما من حيث التأثير الجغرافي، فمن المتوقع أن تكون الدول الأكثر اعتمادًا على الاستيراد هي الأكثر تضررًا، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء مثل الصومال وكينيا، وفي آسيا مثل باكستان وبنغلادش، حيث قد يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي.
كما تبرز مخاطر إضافية على المحاصيل الأساسية مثل القمح والذرة بسبب نقص الأسمدة، بينما قد تؤدي حتى زيادات محدودة في أسعار الأرز (بين 5% و10%) في جنوب آسيا إلى تأثيرات كبيرة على ملايين الأسر.
في المجمل، يكشف هذا الوضع عن ترابط شديد بين أسواق الطاقة والزراعة، حيث يمكن لاختناق جغرافي واحد مثل مضيق هرمز أن يتحول سريعًا إلى عامل ضغط عالمي يمتد تأثيره من الوقود إلى الغذاء، مهددًا استقرار الأسواق والمعيشة في العديد من الدول.



