كيبيك على أعتاب عودة الانفصاليين.. حزب يتعهد باستفتاء على الاستقلال

يتجه الناخبون في إقليم كيبيك الكندي إلى صناديق الاقتراع في انتخابات إقليمية يُتوقع أن تفضي إلى عودة حزب كيبيك الانفصالي إلى الحكم للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، وسط تعهد بإجراء استفتاء على استقلال الإقليم عن كندا خلال الولاية الأولى للحكومة الجديدة، وبحلول عام 2028.
وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم حزب كيبيك، الذي يتزعمه بول سانت بيير بلاموندون، بما قد يمنحه فرصة تشكيل حكومة الإقليم الذي يقطنه نحو 9 ملايين شخص. ومن شأن عودة الحزب إلى السلطة أن تعيد إلى الواجهة الخلافات الحادة مع الحكومة الفيدرالية حول قضايا اللغة والهوية والهجرة وعلاقة كيبيك بالحكومة المركزية.
ويرى محللون أن الصعود السياسي لسانت بيير بلاموندون، البالغ من العمر 49 عاماً، كان عاملاً رئيسياً في استعادة حزب كيبيك قوته. ويقدم الزعيم، وهو محامٍ خريج جامعة أكسفورد ومتعدد اللغات، نفسه باعتباره وجهاً سياسياً حديثاً من جيل إكس، مستفيداً من منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها تيك توك، في مواجهة الإرث السياسي لرئيس وزراء كيبيك السابق فرانسوا ليغو الذي استقال في وقت سابق من العام.
ولا يرتبط ارتفاع شعبية سانت بيير بلاموندون، وفق محللين، بتأييد واسع لاستقلال كيبيك، إذ لا تزال غالبية سكان الإقليم ترفض فكرة الانفصال في الوقت الراهن، وإنما يرتبط بدرجة أكبر بمواقفه اليمينية والقومية بشأن قضايا الهوية والمجتمع.
وخلال حملته الانتخابية، حمّل الزعيم الانفصالي المهاجرين مسؤولية عدد من المشكلات التي تواجه كيبيك، بينها الضغط على المدارس وارتفاع معدلات الجريمة وأزمة السكن وارتفاع الأسعار، متعهداً بخفض مستويات الهجرة. كما دعا إلى حظر الرموز الدينية التي وصفها بالـ”ظاهرة” على أجساد المعلمين والطلاب، ودخل في مواجهة مع حزب كيبيك سوليدير اليساري، منتقداً ما يراه توجهاً مفرطاً نحو قضايا الهوية.
ويقول المراقبون إن هذا الخطاب يجد صدى لدى شريحة متزايدة من سكان الإقليم، رغم ابتعاده عن الجذور الاجتماعية الديمقراطية التقليدية لحزب كيبيك. ويرى المعلق الإذاعي باتريك لاغاسي أن كثيراً من سكان كيبيك ما زالوا يعتبرون أنفسهم ميالين إلى اليسار في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، لكن مواقفهم أصبحت أكثر يمينية في قضايا مثل الهجرة والعنصرية النظامية والتعامل مع الممارسات الدينية.
وفي المقابل، يمثل تعهد سانت بيير بلاموندون بإجراء استفتاء على الاستقلال أحد أبرز مصادر الجدل حوله، إذ لا يرغب معظم سكان كيبيك في إجراء استفتاء قريباً، خصوصاً في ظل الحرب التجارية المستمرة بين كندا والولايات المتحدة.
وكانت كيبيك قد منحت دعماً كبيراً لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال الانتخابات الفيدرالية العام الماضي، على حساب كتلة كيبيك الانفصالية، ويرجع ذلك جزئياً إلى موقف كارني المتشدد تجاه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وشكل ترامب في البداية عبئاً على حزب كيبيك، قبل أن يتحول لاحقاً إلى عامل ساعد الحزب على تخفيف الضغوط المرتبطة بملف الاستقلال. ففي بداية الحملة، أعلن سانت بيير بلاموندون أنه لن يدعو إلى استفتاء طالما بقي ترامب في السلطة، وهو ما سمح له بتحويل تركيز حملته نحو قضايا الهجرة والهوية.
كما استفاد حزب كيبيك من انقسام أصوات الناخبين القوميين واليمينيين بين عدة أحزاب، خصوصاً خارج مونتريال وفي محيط مدينة كيبيك، حيث حقق حزب المحافظين في كيبيك تقدماً ملحوظاً. ويرى محلل استطلاعات الرأي فيليب فورنييه أن هذا التشتت الانتخابي يخدم حزب كيبيك، لأن خصومه لا يتفقون على مرشح أو حزب واحد يمكنهم دعمه في مواجهته.
ورغم أن المؤشرات ترجح تشكيل حزب كيبيك للحكومة المقبلة، فإن حجم التفويض الذي سيحصل عليه لا يزال غير واضح. وتضع استطلاعات الرأي الحزب عند نحو 30% من نوايا التصويت، وهي نسبة قد تكون أقل من المستوى اللازم لضمان حصوله على أغلبية مريحة في البرلمان الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، بدأ سانت بيير بلاموندون بالفعل في رسم ملامح مواجهة محتملة مع الحكومة الفيدرالية، إذ تحدث عن إمكانية وقف تمويل مكتب نائب حاكم كيبيك، الذي يمثل التاج البريطاني في الإقليم، كما تعهد بطرح قانون لإنهاء الروابط الرسمية بين كيبيك والنظام الملكي.
ويرى الانفصاليون أن الملكية البريطانية تمثل أحد أبرز رموز الهيمنة التاريخية على الأقلية الناطقة بالفرنسية في كندا، ولذلك يسعى الحزب إلى التخلص من هذه الروابط باعتبارها جزءاً من مشروعه القومي.
كما شن سانت بيير بلاموندون هجوماً على رئيس الوزراء مارك كارني بعد تصريحاته بشأن احتمال زيادة مستويات الهجرة في كندا، معتبراً أن ذلك يمثل “إساءة لاستخدام السلطة”، وحذر من أن زيادة أعداد المهاجرين قد تزيد الضغوط على الخدمات المقدمة باللغة الفرنسية في كيبيك.
لكن خطابه ضد الملكية والحكومة الفيدرالية قد يضعه أمام مفارقة سياسية، إذ يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره زعيماً شاباً وحديثاً، بينما تعيد بعض مواقفه، خصوصاً المتعلقة بالملكية والصراع مع أوتاوا، إلى الأذهان خطاب حزب كيبيك في ذروة نفوذه خلال سبعينيات القرن الماضي.
كما أن التصعيد ضد الحكومة المركزية قد يحمل مخاطر سياسية بالنسبة لسانت بيير بلاموندون، خاصة مع استمرار شعبية مارك كارني داخل كيبيك، والتي يُرجح أن تستمر طالما بقي تهديد ترامب للولايات المتحدة وكندا قائماً.
وبذلك تبدو كيبيك أمام مرحلة سياسية جديدة قد تعيد ملف الاستقلال إلى صدارة المشهد الكندي، حتى مع استمرار وجود تحفظ شعبي واسع تجاه الانفصال، في ظل صعود خطاب قومي أكثر تشدداً بشأن الهجرة والهوية واللغة.



