بين ردع طهران وحسابات واشنطن: هل تتحول إيران إلى فيتنام جديدة؟

كتبت: هدير البحيري
“عليك فقط أن تقرأ ما حدث في فيتنام”.. بهذه العبارة وجهت طهران واحدة من أكثر رسائلها وضوحًا إلى واشنطن، في تحذير مباشر من أن أي تدخل بري أمريكي قد يفتح الباب أمام حرب طويلة ومكلفة.
ومع تصاعد المواجهات غير المباشرة في المنطقة، تستدعي إيران تجربة فيتنام كأداة ردع، لتذكر الولايات المتحدة بأن أي مغامرة عسكرية على أراضيها قد تتحول إلى استنزاف يعيد إلى الذاكرة الأمريكية واحدة من أكثر حروبها كلفة وتعقيدًا.
استدعاء الذاكرة الفيتنامية
لا تستحضر طهران تجربة فيتنام بوصفها حدثًا تاريخيًا عابرًا، بل باعتبارها جرحًا عميقًا في الوعي الاستراتيجي الأمريكي. فالحرب التي خاضتها واشنطن في جنوب شرق آسيا لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل أزمة سياسية وأخلاقية هزت الداخل الأمريكي، وتحولت إلى نموذج كلاسيكي لحرب استنزاف تفشل فيها القوة العظمى رغم تفوقها الساحق في العتاد والتكنولوجيا.
ومن هذا المنطلق، تبدو الإشارة الإيرانية إلى “فيتنام جديدة” أقرب إلى رسالة ردع نفسية منها إلى تهديد عسكري مباشر. فطهران تريد القول إن أي تدخل بري أمريكي لن يكون عملية جراحية سريعة، بل مغامرة معقدة قد تمتد لسنوات، وتفتح جبهات متعددة، وتستنزف واشنطن سياسيًا وعسكريًا كما حدث في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
كيف أصبحت فيتنام رمزًا للاستنزاف؟
وتقدم تجربة فيتنام نفسها إطارًا واضحًا لفهم الرسالة الإيرانية. فقد خاضت الولايات المتحدة حربًا طويلة ضد مقاومة محلية مدعومة من الصين والاتحاد السوفييتي، في بيئة جغرافية خانقة وبأساليب قتال غير تقليدية.
ورغم التفوق العسكري واستخدام قوة نارية هائلة، فشلت واشنطن في كسر إرادة الفيتناميين، واصطدمت بمقاومة شعبية واسعة تستند إلى تضاريس معقدة وشبكات إمداد متينة.
وفي النهاية، لم يكن العامل العسكري وحده هو الذي أسقط المشروع الأمريكي، بل الرأي العام الداخلي و”الحرب التلفزيونية” التي نقلت صور القتال والمجازر إلى كل بيت أمريكي، ما أدى إلى ضغوط سياسية هائلة انتهت بالانسحاب الكامل عام 1975.
انعدام الثقة يعرقل التهدئة بين إيران والولايات المتحدة
قال الباحث في الشؤون الإيرانية د. محمد سيف الدين لـ”داي نيوز” إن طهران ما زالت تعلن استعدادها للعودة إلى طاولة المفاوضات مع واشنطن، إلا أن مسار التهدئة يواجه عقبات أساسية، أبرزها ما وصفه بـ”التفاوض على التفاوض” من الجانب الإيراني، إضافة إلى انعدام الثقة المتبادل بعد تجارب تفاوضية سابقة تعتبرها طهران مكلفة وغير مرضية.
وأوضح سيف الدين أن اغتيال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني زاد المشهد تعقيدًا، معتبرًا أن واشنطن تسعى لجر إيران إلى مفاوضات بشروط أكثر صرامة، وهو ما بات أصعب في ظل التصعيد الحالي.
ويرى أن احتواء التوتر يتطلب تنازلات من الطرفين، فإيران تحاول الحفاظ على صورتها والرد على استهداف قادتها، بينما تتجه الولايات المتحدة نحو سياسة أكثر تشددًا تجاه النظام الإيراني، في ظل تقديرات خاطئة—بحسب رأيه—لقوة النظام وقدرته على الصمود.
وفي ما يتعلق بفرص استئناف الحوار، طرح سيف الدين احتمالين: إما أن تستعين طهران بشخصيات إصلاحية تحظى بقبول دولي مثل محمد خاتمي أو محمد جواد ظريف، أو اللجوء إلى وسيط إقليمي، مرجحًا أن تكون مصر قادرة على لعب هذا الدور في المرحلة الحالية.
وأكد سيف الدين أن التجارب التاريخية تظهر قدرة إيران على خوض مواجهة طويلة، مستندة إلى عوامل جغرافية وعسكرية تمنحها هامشًا واسعًا للمناورة، إلى جانب دعم استخباراتي غير مباشر من روسيا والصين.
لكنه شدد على أن خيارات إيران في توسيع المواجهة تبقى محدودة، وأقصاها استهداف القواعد الأمريكية في الخليج أو التلويح بورقة مضيق هرمز.
وأضاف أن التصعيد الحالي يمثل تهديدًا داخليًا لإيران، رغم أن “الإجماع الشعبي ضد أمريكا وإسرائيل” ساهم في توحيد الجبهة الداخلية، إلا أن الوضع الاقتصادي المتدهور يظل عامل ضغط كبير على صانع القرار الإيراني.
إخضاع لا إسقاط: ماذا تريد واشنطن من إيران؟
وقالت مديرة مكتب الشرق الأوسط في واشنطن، الكاتبة الصحفية هبة القدسي لـ”داي نيوز” إن الأهداف الاستراتيجية الحقيقية للولايات المتحدة في الحرب الدائرة ضد إيران ما زالت غامضة، رغم دخولها الأسبوع الثالث.
وأوضحت القدسي أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن رسميًا أن الهدف يتمثل في تدمير البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية والأسطول البحري، إلى جانب تفكيك شبكة الوكلاء وتأمين مضيق هرمز.
لكن القدسي ترى أن استهداف قوات الأمن الداخلي، إلى جانب دعوات موجهة للإيرانيين لـ”استعادة بلدهم”، يعكس هدفًا أعمق يتمثل في إضعاف النظام ودفعه إما للانهيار الذاتي أو لتقديم تنازلات استراتيجية دائمة، مثل التخلي عن التخصيب وتقليص النفوذ الإقليمي، وصولًا إلى هدف أبعد يتعلق بالتحكم في أسواق الطاقة، خاصة بعد بسط النفوذ الأمريكي على النفط الفنزويلي.
وتضيف القدسي أن هذا التوجه لا يرقى إلى “تغيير نظام” كامل كما حدث في العراق، بل يندرج ضمن ما وصفته بـ”الإخضاع الاستراتيجي”، الذي يحقق شعار “أمريكا أولًا” دون الانخراط في احتلال طويل الأمد.
وتشير القدسي إلى أن تقديرات استخباراتية أمريكية—كشف عنها مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت في استقالته—أكدت عدم وجود تهديد وشيك، ما يعزز فرضية أن التصعيد الحالي يستهدف فرض واقع جديد يمنع إيران من التحول إلى قوة نووية، مع الحفاظ على مخرج سريع للأزمة.
وفي ما يتعلق بإمكانية التدخل البري، أوضحت القدسي أن هذا الخيار يظل مطروحًا بشكل محدود في حال فشل الضربات الجوية في تحقيق أهدافها، خاصة مع استمرار تهديد إغلاق مضيق هرمز.
وكشفت عن وجود مناقشات داخل الإدارة الأمريكية حول نشر 2500 من مشاة البحرية للسيطرة على جزيرة خارك، لافتة إلى أن ترامب سبق أن ألمح إلى إمكانية تنفيذ “ضربة كبيرة” هناك.
وترى القدسي أن المقارنة بحرب فيتنام تحمل قدرًا من الواقعية، في ضوء الطبيعة الجغرافية لإيران واحتمال تصاعد المقاومة الشعبية، فضلًا عن التكلفة اليومية المرتفعة التي قد تصل إلى 1.5 مليار دولار.
لكنها استدركت بأن ترامب يدرك هذه المخاطر، ولا يسعى إلى التورط في حرب جديدة، خاصة في ظل معارضة الرأي العام ورفض تيار “ماغا” لأي انخراط عسكري واسع.
ورجحت القدسي أن تشهد المرحلة المقبلة تصعيدًا محدودًا دون توسع كبير أو احتواء كامل، في ظل غياب قرار بإرسال قوات برية واسعة.
وأشارت القدسي إلى أن إسرائيل تخطط لثلاثة أسابيع إضافية من العمليات، إلا أن الضغوط الاقتصادية والتعقيدات الدبلوماسية الناتجة عن رفض إيران تقديم تنازلات قد تدفع نحو وقف إطلاق نار تفاوضي خلال أسابيع.
صراع معقد تحكمه الحسابات الإقليمية والدولية
وقال نائب مدير مركز تفكير للشؤون السياسية د. هاني الجمل لـ”داي نيوز” إن التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران يعكس تعقيدًا متزايدًا في المواجهة، نتيجة تداخل الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية.
وأوضح أن التحركات الأمريكية تجاه إيران ليست وليدة اللحظة، بل تأتي في إطار استراتيجية رسختها إدارة ترامب، تقوم على تحجيم النفوذ الإيراني وتقويض برنامجها النووي، عبر ضربات تستهدف أذرع طهران الإقليمية، غالبًا في تناغم مع التحركات الإسرائيلية.
وأضاف الجمل أن واشنطن تضع إيران والصين في بؤرة اهتمامها الاستراتيجي، خصوصًا مع تنامي التقاطعات بينهما وارتباطها بمشروعات كبرى مثل مبادرة الحزام والطريق، فضلًا عن الدور الصيني في إعادة العلاقات بين طهران والرياض، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة تحولًا مقلقًا.
وعلى الصعيد العسكري، أشار الجمل إلى أن المواجهة الأخيرة كشفت قدرة إيران على امتصاص الضربات والرد وفق استراتيجية “الدفاع المتقدم”، عبر استهداف مصالح الخصم الحيوية في إسرائيل أو في نطاق الوجود الأمريكي.
واعتبر أن هذا النمط من الرد يرفع مستوى المخاطر، خاصة مع احتمال تهديد المصالح الاقتصادية في منطقة يعتمد العالم على نحو 20% من طاقتها، ما يجعل أي تصعيد في مضيق هرمز عامل ضغط كبير على الاقتصاد الدولي.
واستبعد الجمل سيناريو الاجتياح البري لإيران، نظرًا لطبيعتها الجغرافية المعقدة وكثافتها السكانية، إضافة إلى التجارب الأمريكية في العراق وأفغانستان.
ورجح أن تقتصر الخيارات على عمليات نوعية محدودة تستهدف مواقع استراتيجية، في ظل تحفظ المؤسسة العسكرية وغياب دعم سياسي كافٍ.
داخليًا، أوضح الجمل أن الحسابات الأمريكية تتأثر بأسعار الطاقة والضغوط الاقتصادية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ما قد يدفع واشنطن إلى إنهاء التصعيد سريعًا. كما أشار إلى أن الرهان على حراك داخلي في إيران يظل محدود الجدوى بسبب طبيعة النظام وقدرته على احتواء الضغوط.
وختم الجمل بالقول إن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو وقف العمليات وفتح مسار تفاوضي جديد قد تلعب فيه سلطنة عمان دور الوسيط، محذرًا من أن استمرار التصعيد سيكبد المنطقة خسائر جيوسياسية واقتصادية، في ظل تراجع ثقة الخليج في مستوى الحماية الأمريكية.



