الحرب مع إيران بين رهانات نتنياهو الداخلية وضغوط الشارع الإسرائيلي

كتبت: هدير البحيري
في لحظة إقليمية مشحونة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة، تنزلق إسرائيل وإيران نحو تصعيد غير مسبوق يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، ويفتح الباب أمام مواجهة مفتوحة تجمع بين الضربات المباشرة وحرب الظلال عبر الوكلاء الإقليميين.
ورغم أن هذا التصعيد يبدو صراعًا خارجيًا، فإنه يكشف هشاشة الداخل الإسرائيلي، حيث تتراكم الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية في مشهد مضطرب يحاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو توظيفه لصالحه.
وبينما يرفع نتنياهو سقف الخطاب الأمني ويقدم الحرب كمعركة وجودية، تتكشف هشاشة الداخل الإسرائيلي ويتراجع تماسكه الشعبي على نحو غير مسبوق.
هشاشة الداخل: هل الشعب يتبع خطاب نتنياهو؟
ورغم تأكيد نتنياهو المتكرر على جاهزية إسرائيل لأي مواجهة موسعة، فإن الداخل الإسرائيلي يروي قصة مختلفة. فبينما يواصل غالبية اليهود دعم العمليات العسكرية، تتسع دائرة الضغط داخل اليسار والمجتمعات غير اليهودية التي ترى في استمرار الحرب عبئًا لا ضرورة له.
هذا التباين يوضح اتساع الفجوة بين خطاب السلطة والمواطنين، ما يجعل الرهان على “ورقة الحرب” لا يحمل مكاسب حقيقية.
الحرب كأداة سياسية: الهروب من الأزمة القضائية
سياسيًا، تبدو الحرب بالنسبة لنتنياهو وسيلة لتخفيف الضغط عن محاكمات الفساد ومحاولة لتأجيل أي انتخابات مبكرة قد تهدد مستقبله السياسي.
غير أن هذا الرهان لم يحقق مكاسب داخلية واضحة؛ فحتى الضربة التي وصفت بأنها “إنجاز استراتيجي” — مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي — لم تترجم إلى ارتفاع في شعبيته.
وتشير استطلاعات الرأي إلى استمرار الانقسام بين معسكر الحكومة والمعارضة عند حدود 40% لكل منهما، ما يعكس أن الحرب لم تعد تمنحه التفويض السياسي الذي اعتاد عليه في أزمات سابقة.
تصدعات مجتمعية وقلق داخلي متصاعد
ومع استمرار العمليات العسكرية، يتضح أن الموقف الشعبي داخل إسرائيل ليس موحدًا. فبينما يرى كثير من اليهود أن الحرب ضرورة أمنية، يتراجع التأييد تدريجيًا مع تزايد الإرهاق النفسي والاجتماعي.
أما العرب داخل إسرائيل، فيرون أن للحرب دوافع سياسية أكثر منها أمنية، ما يعمق شعورهم بالتهميش ويكشف اتساع الفجوة بين المكونات الاجتماعية.
وتشير التقارير إلى أن الأزمة تتفاقم بوضوح داخل فئة الشباب، مع تراجع الثقة في مؤسسات الدولة وتصاعد الشعور بأن السياسات الحالية لا توفر مسارًا مستقبليًا مستقرًا.
وتظهر البيانات أن ثلاثة أرباع الشباب يرون أن الحكومة لا تضع احتياجاتهم ضمن أولوياتها، فيما يواجه نصفهم اضطرابًا في مسارهم التعليمي، ويعاني ربعهم ضغوطًا اقتصادية مباشرة. كما يفكر نحو ثلث الشباب في الهجرة، وهو مؤشر على خلل بنيوي يهدد استدامة رأس المال البشري وقدرة الدولة على الحفاظ على طاقاتها الحيوية.
الاحتجاجات المدنية تتحدى القيود الأمنية
وشهدت عدة مدن إسرائيلية موجات احتجاجية ضد استمرار الحرب رغم القيود الأمنية المشددة. ورغم محدودية حجم هذه الاحتجاجات، فإن استمرارها يثير قلق الحكومة، خصوصًا مع تزايد الاشتباكات بين المتظاهرين والشرطة.
ويكشف هذا الحراك، الذي يضم ناشطين ومنظمات مدنية وشخصيات عامة، صعوبة احتواء الغضب الداخلي ويشير إلى إمكانية اتساعه مع استمرار الضغوط الاقتصادية والنفسية.
الجيش الإسرائيلي على المحك: نقص القوى واستنزاف المعنويات
تواجه المؤسسة العسكرية أزمة مركبة تتجاوز الميدان؛ إذ يعاني الجيش نقصًا حادًا في القوات النظامية واعتمادًا متزايدًا على الاحتياط، مع استمرار تعثر تجنيد الحريديم.
ومع اتساع العمليات على أكثر من جبهة، تتصاعد الضغوط على الجنود، وتتجلى الأزمة في تسجيل 22 حالة انتحار خلال عام واحد، وارتفاع اضطراب ما بعد الصدمة بنسبة 40% منذ نهاية 2023، وسط توقعات بتضاعف هذه النسبة بحلول 2026 إذا استمرت الحرب.
الاقتصاد ينزف: تكاليف الحرب وضغوط مالية متزايدة
واقتصاديًا، تتحمل إسرائيل تكلفة أسبوعية تقارب 5 مليارات شيكل، إضافة إلى مخصصات ضخمة للحريديم لضمان بقاء الائتلاف.
ومع غياب أفق سياسي أو عسكري واضح، تتحول الحرب إلى نزيف مالي يزيد من التوترات الاجتماعية ويضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين استمرار العمليات والحفاظ على الاستقرار الداخلي.
أزمات متشابكة: الحراك العسكري على حساب الاستقرار الداخلي
وفي هذا الإطار، ترى الباحثة في الشؤون الإسرائيلية وداد العربي أن المشهد الداخلي لم يعد مجرد حالة توتر عابرة، بل يعكس بنية أزمات متشابكة تتزامن مع التصعيد العسكري الخارجي.
وأوضحت العربي لـ”داي نيوز” أن حكومة نتنياهو تحاول الموازنة بين إظهار الحسم الأمني خارجيًا ومعالجة أزمة شرعية متفاقمة داخليًا، خاصة مع استمرار الخلافات حول التجنيد وتقاسم الأعباء.
وأشارت العربي إلى أن خوض حرب متعددة الجبهات، مع الضغوط الاقتصادية المتصاعدة، يؤكد تغليب البعد العسكري على حساب الاستقرار الداخلي، وهو ما ظهر في ميزانية 2026 التي رفعت الإنفاق الدفاعي على حساب القطاعات المدنية.
وترى أن إسرائيل باتت تتحرك وفق منطق “الأمن المطلق”، وهو نهج يمنح الأولوية للعمل العسكري دون أفق سياسي واضح، ما يعمق حالة الاستنزاف.
وأضافت أن سعي نتنياهو لتوسيع المناطق الأمنية في غزة ولبنان لا يعكس بالضرورة قوة ميدانية، بل محاولة لتعويض غياب إنجازات استراتيجية أوسع، في ظل استمرار التهديدات الصاروخية وعدم قدرة الحكومة على تقديم رؤية سياسية متماسكة.
وترى العربي أن أزمة تجنيد الحريديم تكشف خللًا أعمق في بنية العقد الاجتماعي داخل إسرائيل، مع اتساع الفجوة حول تقاسم الأعباء العسكرية.
وأشارت إلى أن نقص القوى البشرية — المقدر بنحو 15 ألف جندي — يضع المؤسسة العسكرية أمام تحديات حقيقية في إدارة حرب ممتدة أو متعددة الجبهات، خاصة مع تحذيرات القيادة من “الإنهاك الداخلي” واستنزاف قوات الاحتياط في ظل غياب حلول تشريعية واضحة.
وحذرت العربي من أن توسع المواجهة مع إيران قد يفرض ضغوطًا شاملة تتجاوز الجبهة العسكرية لتطال الاقتصاد والسياسة والمجتمع، بما يهدد تماسك الجبهة الداخلية.
وقالت إن الاقتصاد الإسرائيلي بدأ بالفعل في إظهار مؤشرات ضغط متزايدة، مع ارتفاع كلفة العمليات وتزايد الخلافات حول أولويات الإنفاق.
وتوقعت العربي أن تؤدي الحرب إلى تعميق الاستقطاب الداخلي وزيادة الضغوط على حكومة نتنياهو، مع احتمالات تصاعد الأزمات داخل الائتلاف.
أما عسكريًا، فترى أن استمرار نمط “إدارة الأزمات” دون حسم، في ظل نقص الموارد البشرية والجدل حول التجنيد، قد يحد من قدرة الجيش على التعامل مع أي تصعيد واسع.
اختتمت العربي حديثها بأن المجتمع الإسرائيلي لم يتعاف من تداعيات أزمة التعديلات القضائية، مع تعمق الانقسام الداخلي وتراجع الثقة في القيادة السياسية.
وأوضحت أن تصاعد إرهاق الحرب وزيادة الدعوات لوقف القتال يبرز تحولًا تدريجيًا في أولويات الشارع: من البحث عن نصر حاسم إلى تقليل الخسائر، ما يضع صانعي القرار أمام اختبار حاد بين التصعيد واستكشاف مخرج سياسي.
هل يصمد الداخل الإسرائيلي أم ينزلق نحو الانفجار؟
في ظل ضبابية المشهد، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بمآلات الحرب، بل بقدرة الداخل الإسرائيلي على الصمود تحت وطأة أزماته المتراكمة.
ويشير مراقبون إلى أن الداخل الإسرائيلي يقف أمام مجموعة من السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة، تتراوح بين الاحتواء الحذر والانزلاق نحو أزمة أكثر عمقًا.
وترجح هذه التقديرات أن تنجح الحكومة في احتواء الضغوط الداخلية مؤقتًا، عبر تصعيد الخطاب الأمني وتقديم إنجازات عسكرية محدودة، بما يساعد على الحفاظ على قدر من التماسك داخل المجتمع. إلا أن هذا المسار يظل هشًا، لاعتماده على استمرار الدعم الشعبي للحرب رغم كلفتها المتزايدة، دون معالجة الجذور البنيوية للأزمة السياسية والاجتماعية.
في المقابل، لا يستبعد محللون استمرار التراجع التدريجي في مستويات الثقة، بالتوازي مع اتساع رقعة الاحتجاجات وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يضعف قدرة الحكومة على المناورة دون الوصول إلى نقطة الانهيار.
وفي هذه الحالة، تتحول الأزمة إلى نمط من “الاستنزاف الداخلي” طويل الأمد، ينعكس على كفاءة مؤسسات الدولة.
كما تشير تحليلات إلى احتمال تطور الاحتجاجات إلى موجات أوسع من العصيان المدني، قد تمتد تداعياتها إلى المؤسسة العسكرية، خاصة في صفوف قوات الاحتياط، ما يفرض على القيادة إعادة ترتيب أولوياتها لصالح الجبهة الداخلية.
ورغم خطورة هذا المسار، فإنه يظل محكومًا بسقف يمنع الانزلاق إلى فوضى شاملة، في ظل تماسك نسبي لمؤسسات الدولة.
وفي حال تفاقم الضغوط، يرجح أن تتجه إسرائيل نحو إعادة تشكيل مشهدها السياسي، سواء عبر انتخابات مبكرة أو إعادة ترتيب الائتلاف الحاكم، بما قد يفتح المجال أمام تغييرات في موازين القوى، أو حتى تشكيل حكومة طوارئ كخيار لاحتواء الأزمة.



