تقارير

هل تستغل تركيا “ضربة قبرص” لتعزيز نفوذها في شمال الجزيرة؟

كتبت: هدير البحيري

أعاد الهجوم الذي استهدف محيط قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص فتح ملف التوازنات الدقيقة في شرق المتوسط، حيث تتداخل خرائط النفوذ العسكري مع صراعات الطاقة والتحالفات الإقليمية.

ورغم محدودية الضربة من الناحية الميدانية، فإن رسائلها السياسية تتجاوز المواجهة المباشرة بين إيران وإسرائيل، لتطال البنية الأمنية التي تعتمد عليها القوى الغربية في المنطقة، وفي مقدمتها تركيا التي تراقب التطورات عن قرب.

لماذا قبرص؟

تحتل قبرص موقعًا استراتيجيًا في قلب شرق المتوسط، على مقربة من السواحل السورية واللبنانية والإسرائيلية، ما يجعلها نقطة ارتكاز رئيسية لعمليات المراقبة والاستخبارات الغربية.

وتضم الجزيرة قاعدتين بريطانيتين تعدان من أهم المنشآت العسكرية خارج أوروبا، أبرزها قاعدة أكروتيري التي تستخدم في مهام الاستطلاع والدعم العملياتي في الشرق الأوسط.

واستهداف هذه القاعدة لا يضرب منشأة لوجستية فحسب، بل يطال أحد الأعصاب الحيوية للوجود العسكري الغربي، وينقل الصراع إلى عمق المنظومة الأمنية الأوروبية، خصوصًا أن قبرص تصنف دولة ذات موقف خارجي متوازن نسبيًا، ما يجعل استهدافها مضاعف التأثير سياسيًا.

كما يضع الهجوم نيقوسيا أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على حيادها التقليدي والالتزام بشراكاتها الأوروبية والغربية، وهو ما ظهر في التحرك البريطاني السريع لتعزيز الدفاعات في الجزيرة عبر إرسال سفينة حربية وطائرات مضادة للمسيرات، في إشارة واضحة إلى أن لندن تنظر إلى الضربة باعتبارها رسالة تتجاوز حدود قبرص نفسها.

أهمية قبرص بالنسبة لتركيا

تحتل قبرص موقعًا استثنائيًا في الحسابات التركية، ليس فقط لقربها الجغرافي—إذ تبعد نحو 70 كيلومترًا عن السواحل التركية—بل لأنها تمثل نقطة تماس مباشر مع أي ترتيبات أمنية أو عسكرية في شرق المتوسط.

هذا القرب يجعل وجود أي قوة معادية في الجزيرة تهديدًا مباشرًا للجنوب التركي، ويفسر مراقبة أنقرة الدقيقة للقواعد الغربية هناك، خصوصًا القواعد البريطانية التي تعد جزءًا من بيئة أمنية حساسة بالنسبة لها.

ومن منظور أنقرة، فإن حماية القبارصة الأتراك ليست التزامًا سياسيًا فحسب، بل امتداد طبيعي للأمن القومي التركي، وهو ما يبرر تمسكها بوجودها العسكري في الشطر الشمالي.

على المستوى الجيو–اقتصادي، اكتسبت قبرص أهمية مضاعفة خلال العقد الأخير مع تحول شرق المتوسط إلى ساحة تنافس على الغاز وترسيم الحدود البحرية.

فتركيا ترى الجزيرة نقطة ارتكاز في هذا الصراع، وساحة مؤثرة في مشاريع الطاقة الإقليمية مثل مشروع إيست ميد.

كما تخشى أن يؤدي استبعادها من ترتيبات الغاز إلى تطويقها بحزام بحري تقوده اليونان والاتحاد الأوروبي، ما يجعل مشاركتها في أي ترتيبات للطاقة شرطًا أساسيًا لضمان مصالحها الاستراتيجية.

أما البعد الهوياتي، فيعد أحد أكثر عناصر الملف القبرصي حساسية داخل تركيا. فالقبارصة الأتراك ينظر إليهم كامتداد اجتماعي وثقافي للشعب التركي، وحماية حقوقهم السياسية والأمنية تعد واجبًا وطنيًا.

لذلك تصر أنقرة على أن أي حل للقضية القبرصية يجب أن يضمن مساواة كاملة بين شطري الجزيرة أو اعترافًا دوليًا بكيان القبارصة الأتراك، وهو ما يجعل الملف حاضرًا بقوة في السياسة الداخلية التركية ويمنح الحكومة هامش تحرك واسعًا دون تكلفة سياسية كبيرة.

ويمثل الوجود العسكري التركي في شمال قبرص أحد أعمدة نفوذها في شرق المتوسط. فالقوات التركية—التي يقدر عددها بنحو 40 ألف جندي—توفر لأنقرة قدرة على مراقبة المنطقة من موقع متقدم، وتشكل نقطة انطلاق للعمليات البحرية والجوية عند الحاجة، فضلًا عن كونها ورقة ضغط في مواجهة أي ترتيبات أمنية أو سياسية تستثنيها.

موقف تركيا من التصعيد

وفي هذا الإطار، قال الباحث في الشؤون التركية، شريف زكريا لـ”داي نيوز” إن أنقرة تنظر إلى التصعيد العسكري الأخير في قبرص باعتباره تطورًا يمس أمنها القومي بشكل مباشر.

وأضاف أن قرب الجزيرة من السواحل التركية يجعل أي وجود عسكري معادٍ على أراضيها تهديدًا مباشرًا لمصالح تركيا الاستراتيجية، بما في ذلك خطوط الملاحة والطاقة.

وأوضح زكريا أن أنقرة لا تتعامل مع الضربة كحادث محدود، بل كرسالة تتعلق بتوازن القوى الإقليمي وحجم الحضور الغربي في شرق المتوسط.

تعزيز الوجود العسكري في شمال قبرص

وأكد زكريا أن أنقرة قد ترى في اللحظة الحالية فرصة لرفع جاهزيتها الدفاعية في الشطر الشمالي من الجزيرة.

وقال: “من المرجح أن تتخذ تركيا خطوات عملية تشمل زيادة التواجد البحري والجوي، وإجراء تدريبات مشتركة مع القوات في شمال قبرص، بما يعزز من القدرة على حماية مصالحها ومصالح الشركاء المحليين، ويشكل رسالة ردع واضحة لأي تحرك أجنبي قد يهدد استقرار المنطقة.”

القواعد البريطانية والصراع مع إيران

وأشار زكريا إلى أن استخدام القواعد البريطانية في قبرص ضمن عمليات مرتبطة بالصراع مع إيران يضع تركيا أمام معادلة حساسة.

فوجود هذه القواعد، بحسب قوله، قد يسهل تنفيذ عمليات عسكرية أو استخباراتية غربية في شرق المتوسط، ما يفرض على أنقرة ضغوطًا إضافية لضمان حماية خطوطها الاستراتيجية، سواء في ما يتعلق بتحركات السفن أو الأنشطة المرتبطة بالغاز والنفط.

ويرى زكريا أن هذا الوضع يتطلب من أنقرة موازنة دقيقة بين الردع العسكري والحفاظ على علاقات مستقرة مع القوى الغربية لتجنب أي تصعيد غير محسوب.

العلاقة مع اليونان وقبرص الجنوبية

ويرى زكريا أن التصعيد الأخير يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد.

وأوضح أن أنقرة ستواصل مراقبة التوترات في مناطق الغاز والممرات البحرية، مشيرًا إلى أن أي تحرك عسكري أو سياسي قد يفاقم الخلافات مع أثينا ونيقوسيا، لكنه قد يمنح تركيا أيضًا فرصة لإعادة فرض نفوذها عبر تحركات محسوبة تجمع بين القوة والدبلوماسية المتوازنة.

تركيا بين ضغوط واشنطن وطهران

وحول موقف تركيا في ظل التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، قال زكريا إن أنقرة تميل تاريخيًا إلى سياسة التوازن، لكنها قد تجد نفسها مضطرة للانخراط بشكل أعمق في المعادلات الإقليمية إذا شعرت بأن مصالحها الحيوية مهددة.

وأضاف: “تركيا لن تكون طرفًا متفرجًا، لكنها ستسعى للحفاظ على مرونتها الدبلوماسية والعسكرية، مع استغلال أي فرصة لتعزيز حضورها الإقليمي دون الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى.”

العلاقة مع إيران: اختبار جديد

ويرى الباحث أن الضربة الأخيرة في قبرص تمثل اختبارًا دقيقًا للعلاقة بين أنقرة وطهران. فتركيا تحرص تاريخيًا على الحفاظ على توازن دقيق مع إيران، خاصة في ملفات مثل سوريا والطاقة، لكنها في الوقت نفسه لا تتردد في حماية مصالحها الحيوية بشكل مباشر.

وأضاف أن الضربة تشير إلى أن إيران مستعدة لتوسيع رقعة نشاطها العسكري في المنطقة، ما قد يخلق ضغوطًا على تركيا لإعادة تقييم تحركاتها الاستراتيجية، سواء على صعيد التنسيق الأمني مع إيران أو على صعيد تعزيز وجودها العسكري في شمال قبرص ومراقبة خطوط الغاز.

وأشار زكريا إلى أن أي تصعيد إيراني إضافي قد يدفع أنقرة إلى تعزيز قنوات التواصل الدبلوماسي مع طهران لتجنب سوء التقدير، وفي الوقت نفسه تطوير خيارات ردع غير مباشر لحماية مصالحها دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

ويرى زكريا أن المرحلة المقبلة قد تشهد عدة سيناريوهات في ضوء التصعيد الأخير في قبرص واستهداف قاعدة أكروتيري، إذ قد تتجه أنقرة إلى تعزيز وجودها العسكري في شمال الجزيرة عبر زيادة القوات البحرية والجوية وتنفيذ تدريبات مشتركة لرفع مستوى الردع وحماية مصالحها.

وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن تكثف تركيا مراقبتها لخطوط الطاقة البحرية ومناطق الغاز الاستراتيجية لتفادي أي تهديد مباشر لمصالحها الاقتصادية، مع فتح قنوات تواصل دبلوماسية مع كل من إيران والغرب لتقليل مخاطر سوء التقدير ومتابعة التحركات العسكرية في المنطقة عن كثب.

كما قد تلجأ أنقرة إلى خيارات ردع محدودة وذكية في مواجهة أي تحركات غربية تفسر كتهديد مباشر، دون الانجرار إلى مواجهة شاملة.

وبرأي زكريا، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في دخول شرق المتوسط مرحلة من الحذر الاستراتيجي، تتحرك خلالها تركيا وفق تقييم مستمر للمخاطر، مستغلة أي فرصة لخفض التوتر مع اليونان وقبرص الجنوبية دون تقديم تنازلات تمس أمنها القومي.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى