تقارير

ترامب يرفع الرسوم 15% متحدياً المحكمة العليا

أشعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة جديدة من الجدل الدولي بإعلانه، في 21 فبراير 2026، رفع الرسوم الجمركية العالمية من 10% إلى 15%، في تحرك مباشر جاء رداً على حكم صادر عن المحكمة العليا الأمريكية أبطل برنامجه السابق للرسوم الشاملة.

الإعلان الذي نُشر عبر منصة تروث سوشيال لم يكن مجرد تعديل تقني في النسبة، بل رسالة سياسية واضحة تؤكد تمسكه بالحد الأقصى “المسموح به قانونياً”، على حد تعبيره، في خطوة دخلت حيز التنفيذ فوراً وأثارت مخاوف اقتصادية وسياسية على مستوى العالم.

ترامب يلتف على الحكم ويستخدم قانون التجارة لعام 1974 لفرض رسوم مؤقتة جديدة

يعود السياق إلى يوم 20 فبراير 2026، حيث أصدرت المحكمة العليا حكماً بأغلبية 6-3 أبطلت فيه الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها ترامب بموجب قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977 (IEEPA). اعتبرت المحكمة أن الرئيس تجاوز صلاحياته في استخدام هذا القانون لفرض رسوم تصل إلى 15% أو أعلى على معظم الدول، مشيرة إلى أنه مخصص للحالات الطارئة الحقيقية وليس للسياسات التجارية الدائمة.

رد ترامب في اليوم نفسه بفرض رسوم جديدة بنسبة 10% بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، وهو قانون لم يُستخدم سابقاً لهذا الغرض، ويسمح بفرض رسوم مؤقتة لمدة 150 يوماً كحد أقصى، مع الحاجة إلى موافقة الكونجرس للتمديد.

في 21 فبراير، رفع ترامب النسبة إلى 15%، الحد الأقصى المسموح به بموجب هذا القانون، مشيراً إلى أنه سيستخدم الـ150 يوماً لاستكشاف خيارات قانونية أخرى مثل المادة 232 (للأمن الوطني) أو المادة 301 (للممارسات التجارية غير العادلة).

كما أكدت الإدارة أن الرسوم الجديدة ستدخل حيز التنفيذ في 24 فبراير، مع استثناءات للمعادن الحرجة والأدوية والطاقة، بينما تبقى الرسوم الخاصة بالصلب والألمنيوم والسيارات سارية بموجب قوانين أخرى.

تداعيات اقتصادية معقدة بين تقليص العجز التجاري ومخاطر التضخم وارتباك الأسواق

من الناحية الاقتصادية، يُعتبر هذا الرفع خطوة تهدف إلى تقليل العجز التجاري الأمريكي الذي بلغ 1.2 تريليون دولار في 2025، وزيادة الإنتاج المحلي. ومع ذلك، حذر خبراء مثل جو بروسويلاس، كبير الاقتصاديين في RSM US، من أن الرسوم ستؤدي إلى ارتفاع أسعار المستهلكين، خاصة في ظل استمرار التضخم. وفقاً لمؤسسة الضرائب، جمعت الرسوم السابقة أكثر من 160 مليار دولار، لكن الجديدة قد تكون أقل فعالية بسبب طبيعتها المؤقتة، مما يخلق عدم يقين للأعمال.

سياسياً، يمثل هذا الرفع تحدياً مباشراً للمحكمة العليا، حيث وصف ترامب الحكم بـ”سخيف ومضاد لأمريكا”، وشعر بـ”الخجل” من بعض القضاة الذين عينهم بنفسه. يُرى الإجراء كمحاولة لتعزيز أجندة “أمريكا أولاً” قبل الانتخابات النصفية، لكنه يواجه معارضة من الديمقراطيين الذين يلومونه على ارتفاع تكاليف المعيشة، حيث يرفض 57% من الأمريكيين إدارته الاقتصادية وفق استطلاع رويترز.
دولياً، أجلت الهند وفداً تجارياً إلى واشنطن بسبب الشكوك، بينما رفض الاتحاد الأوروبي الزيادة، معتبراً أن “اتفاقاً هو اتفاق”، وأجل البرلمان الأوروبي تصويتاً على اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة. في فرنسا، أشاد الرئيس إيمانويل ماكرون بالحكم كدليل على أهمية التوازنات الدستورية، بينما حذر المستشار الألماني فريدريش ميرز من أن الرسوم “تضر الجميع”. في بريطانيا، حذر ويليام باين، زعيم أعمال، من أن رد ترامب “قد يكون أسوأ للأعمال البريطانية”

وفي سياق متصل أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أن رفع الرسوم الجمركية إلى 15% يعكس إصرار الإدارة الأمريكية على المضي في نهج حمائي، لكنه يحمل مخاطر تضخمية واضحة قد تنعكس سريعاً على أسعار السلع المستوردة وسلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ظل هشاشة التعافي الاقتصادي العالمي.

وأشار إلى أن اللجوء إلى أدوات قانونية بديلة بعد حكم المحكمة العليا الأمريكية يخلق حالة من عدم اليقين للأسواق والمستثمرين، ويؤثر في قرارات التوسع والاستثمار طويل الأجل، لا سيما لدى الشركات متعددة الجنسيات التي تعتمد على استقرار السياسات التجارية.

وأوضح أن استمرار هذا المسار قد يدفع شركاء تجاريين إلى إجراءات مضادة، ما يفاقم التوترات ويؤثر سلباً على معدلات النمو العالمي، لافتاً إلى أن الحلول التفاوضية تظل أقل تكلفة من التصعيد الجمركي المتبادل.

وأضاف أن الأسواق المالية عادة ما تتفاعل بحساسية مع القرارات المفاجئة، وهو ما قد يؤدي إلى تقلبات في أسعار الأسهم والعملات، فضلاً عن زيادة كلفة التأمين والشحن الدولي.

وأكد أن أي مكاسب محتملة في تقليص العجز التجاري قد تقابلها أعباء إضافية على المستهلك الأمريكي، ما يضع الإدارة أمام معادلة دقيقة بين حماية الصناعة المحلية والحفاظ على استقرار الأسعار.

من جانبه قالت الدكتورة منى كمال، الباحثة في الشؤون الدولية، إن قرار رفع الرسوم الجمركية إلى 15% لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، معتبرة أن الخطوة تحمل رسائل انتخابية بقدر ما تحمل أبعاداً اقتصادية.

وأشارت إلى أن التصعيد التجاري قد يعمّق فجوة الثقة بين واشنطن وحلفائها التقليديين، خاصة في ظل الانتقادات الأوروبية المتزايدة لنهج الأحادية في إدارة الملفات الاقتصادية.

وأضافت أن استمرار هذا النهج قد يدفع قوى دولية إلى تسريع جهود تنويع شراكاتها التجارية بعيداً عن السوق الأمريكية، ما قد يغيّر ملامح التوازنات الاقتصادية العالمية على المدى المتوسط.

وأوضحت أن المشهد الحالي يعكس صراعاً أوسع بين المؤسسات داخل الولايات المتحدة، مؤكدة أن تداعياته لن تتوقف عند حدود الاقتصاد، بل ستمتد إلى إعادة تشكيل التحالفات والسياسات التجارية الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى