اقتصاد وتكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل صناعة البرمجيات

بدأت مكاسب الإنتاجية الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الظهور داخل الشركات، رغم أن الإحصاءات الاقتصادية الرسمية لم تعكس تأثيرها بالكامل حتى الآن.

وتشير تحركات أسعار الأسهم وإعلانات الوظائف إلى أن تطوير البرمجيات أصبح من أوائل المجالات التي تكشف عن التحول في كفاءة العمل، مع توقعات بأن تسهم الأدوات الذكية في زيادة حجم الإنجاز وتقليل الوقت اللازم لتنفيذ المشروعات.

ارتفاع تقديرات إنتاجية مهندسي البرمجيات بنسبة 32.6%

أظهرت دراسة بحثية حديثة أعدها أليكس بلومنفلد من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وجوناثان هازل من كلية لندن للاقتصاد، إلى جانب اقتصاديين آخرين، أن الذكاء الاصطناعي رفع تقديرات الأسواق للقيمة الحالية لإنتاجية مهندسي البرمجيات بما يعادل زيادة دائمة قدرها 32.6% بين نوفمبر 2022 وديسمبر 2025.

وتسعى الدراسة إلى معالجة صعوبة قياس المكاسب الاقتصادية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، من خلال التركيز على هندسة البرمجيات، باعتبارها أحد المجالات التي يظهر فيها تأثير التكنولوجيا الجديدة بصورة واضحة.

وتنطلق الفكرة من أن الشركات التي تنجح في توظيف الذكاء الاصطناعي لتسريع تطوير تطبيقاتها وتنفيذ مشروعاتها قد تحقق إنتاجية أعلى من منافسيها، وهو ما يمكن أن ينعكس على تقييماتها السوقية واحتياجاتها من العمالة المتخصصة.

كيف تكشف أسواق الأسهم عن مكاسب الذكاء الاصطناعي؟

اعتمد الباحثون على مقارنة عوائد أسهم الشركات بمؤشر للذكاء الاصطناعي، بعد استبعاد تأثير العوامل الأخرى، ثم درسوا العلاقة بين العوائد التي تجاوزت التوقعات أو جاءت دونها وبين إنفاق الشركات على أجور المبرمجين.

وتستند هذه المنهجية إلى أن المستثمرين يقيّمون بصورة متزايدة قدرة الشركات على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وتحويله إلى عوائد مالية. كما يمكن لإعلانات الوظائف وصفحات التوظيف أن تقدم مؤشرات على مدى اعتماد الشركات على مهندسي البرمجيات، واهتمامها بتوظيف أشخاص قادرين على استخدام الأدوات الذكية لإنجاز المهام بسرعة أكبر.

ومن الأمثلة المطروحة أن إحدى منصات التجارة الإلكترونية قد تعيد تصميم تطبيقها بحيث يتمكن وكلاء الذكاء الاصطناعي، مثل «كلود» و«تشات جي بي تي»، من إتمام عمليات التسوق بسهولة مماثلة لتجربة المستخدم البشري، ما يخلق احتياجات جديدة في تطوير البرمجيات.

شركات عالمية تكشف عن التحول

شملت الدراسة شركات متنوعة تعتمد على هندسة البرمجيات في تشغيل أعمالها، من بينها «إي باي» للتجارة الإلكترونية، و«سونوس» لتصنيع الإلكترونيات، إلى جانب «إكسبيديا غروب» و«إير بي إن بي» في قطاع السفر.

واستبعد الباحثون شركات البرمجيات والشركات العاملة في سلسلة توريد أشباه الموصلات، بهدف عزل أثر الذكاء الاصطناعي على إنتاجية الشركات التي تعتمد على البرمجيات في أنشطتها، لكنها لا تبيعها بوصفها منتجها الأساسي.

وتشير النتائج إلى أن أثر الذكاء الاصطناعي قد يظهر أولًا في الشركات التي تستطيع استخدامه لتحسين عملياتها الداخلية، حتى إن لم تكن شركات تكنولوجيا متخصصة.

اختبار أولي لشركات آسيوية

امتد تحليل أولي إلى ثلاث شركات آسيوية مدرجة في الولايات المتحدة، هي «سوني غروب» و«كوبانغ» و«غراب هولدينغز»، بهدف اختبار العلاقة بين تحركات أسهمها ومؤشر «روبو غلوبال للذكاء الاصطناعي»، ومقارنتها بمدى اعتماد أنشطتها على هندسة البرمجيات.

ونظرًا إلى عدم توافر بيانات عن أجور العاملين، استُخدمت نسبة الوظائف الشاغرة المرتبطة بالبرمجيات على مواقع التوظيف بوصفها مؤشرًا بديلًا على حجم الاعتماد على هذا المجال.

وتعد «كوبانغ» من أبرز منصات التجارة الإلكترونية في كوريا الجنوبية، بينما تقدم «غراب» خدمات رقمية متعددة في جنوب شرق آسيا. أما «سوني»، فتجمع بين الأجهزة والألعاب والترفيه، ما يجعل قياس اعتمادها على البرمجيات أكثر تعقيدًا.

وأشار التحليل إلى أن بعض الوظائف قد لا تُصنَّف ضمن وظائف البرمجة، رغم أن مهامها تشمل مراحل متعددة من تطوير البرمجيات. وظهر ذلك في حالة وظيفة قيادية في البرامج التقنية لدى «بلاي ستيشن»، لم يحتسبها النموذج ضمن وظائف المبرمجين، رغم اتساع نطاق مسؤولياتها. وقد يعني ذلك أن تقدير اعتماد «سوني» على هندسة البرمجيات، الذي بلغ نحو 12% في الاختبار، أقل من المستوى الفعلي.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار نتائج هذا الاختبار حاسمة، إذ يتطلب قياس مكاسب الإنتاجية لدى الشركات الآسيوية بصورة إحصائية أكثر دقة استخدام عينة أوسع من ثلاث شركات.

لماذا لا تظهر المكاسب في الإحصاءات الرسمية؟

تعود صعوبة رصد أثر الذكاء الاصطناعي جزئيًا إلى احتمال ظهور مكاسب الكفاءة داخل أقسام ووظائف لا تخضع للمتابعة الدقيقة، فضلًا عن أن الشركات قد تغير أساليب عملها قبل أن تتمكن المؤشرات الرسمية من قياس نتائج هذه التحولات.

وتعيد هذه المسألة إلى الأذهان مقولة الاقتصادي روبرت سولو عام 1987 بشأن عصر الكمبيوتر، حين أشار إلى أن أثر التكنولوجيا يمكن رؤيته في كل مكان باستثناء إحصاءات الإنتاجية.

فقد احتاجت ثورة تكنولوجيا المعلومات والإنترنت إلى سنوات من الاستثمار والتطوير قبل أن تظهر آثارها الاقتصادية بصورة واضحة، وهو ما قد يتكرر مع الذكاء الاصطناعي، الذي اقترب الاستثمار السنوي فيه من تريليون دولار خلال أقل من أربع سنوات على إطلاق أول نموذج لغوي كبير.

شركات الصين تواجه صعوبة في عزل التأثير

من المتوقع نظريًا أن تظهر مكاسب مماثلة لدى شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى، لكن قياسها يظل معقدًا بسبب تداخل عوامل عديدة تؤثر في أداء الشركات وأسهمها.

وتقدم «علي بابا غروب» مثالًا على ذلك، إذ تتأثر تحركات سهمها بعوامل تشمل القيود الأمريكية على تصدير أشباه الموصلات، والمنافسة في الحوسبة السحابية، إلى جانب التطورات المرتبطة بالشركات المنافسة، ما يصعّب تحديد مقدار التأثير المنفصل للذكاء الاصطناعي.

وبالتالي، فإن عدم القدرة على عزل مكاسب الإنتاجية وقياسها بدقة لا يعني بالضرورة غيابها، بل قد يعكس تعقيد العوامل المؤثرة في أداء الشركات.

من «البرمجيات تلتهم العالم» إلى عصر الكود الذي يكتبه الذكاء الاصطناعي

في عام 2011، قال مارك أندريسن، الشريك المؤسس لشركة رأس المال المغامر «أندريسن هورويتز»، إن «البرمجيات تلتهم العالم»، في إشارة إلى اتساع دور التكنولوجيا في مختلف القطاعات الاقتصادية. واليوم، تستحوذ الشركات التكنولوجية والمرتبطة بهذا القطاع على نحو 95% من القيمة السوقية لأكبر عشر شركات في العالم، بحسب المقال.

لكن صناعة البرمجيات نفسها تشهد تحولًا جديدًا مع دخول وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى عملية كتابة الأكواد وتنفيذ المهام البرمجية، بعدما كان تطوير البرمجيات يعتمد بصورة أساسية على كتابة البشر لكل سطر من التعليمات.

وفي هذا السياق، أشار أندريسن مؤخرًا إلى أن قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على كتابة 90% من الكود قد تتيح للمهندسين إنجاز ما يصل إلى عشرة أضعاف العمل، في تقدير يعكس حجم التغيير المحتمل في أساليب التطوير.

وتشير المؤشرات المستمدة من أسواق الأسهم وإعلانات الوظائف إلى أن مكاسب الإنتاجية بدأت بالفعل، حتى وإن كانت الإحصاءات الرسمية لم تستوعبها بالكامل بعد.

ويظل تطوير البرمجيات أحد أبرز المجالات التي يمكن من خلالها متابعة هذا التحول، مع الحاجة إلى مزيد من البيانات والدراسات لتحديد أثره الفعلي على الاقتصاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى