“الحرب الكبرى”.. بين نبوءات نهاية العالم وواقع الصراع في الشرق الأوسط

كتبت: هدير البحيري
في ظل تصاعد غير مسبوق للتوترات في الشرق الأوسط، مع اتساع رقعة المواجهات بين إسرائيل وإيران، وتزايد الانخراط الإقليمي والدولي، عاد إلى الواجهة خطاب قديم يتجدد مع كل أزمة كبرى: “الحرب الكبرى” ونهاية العالم.
فمع تداخل مصالح قوى كبرى مثل الولايات المتحدة، وتفاعل أطراف إقليمية متعددة، لم يعد الصراع يقرأ فقط باعتباره مواجهة سياسية أو عسكرية، بل بات يفسر، في كثير من الأحيان، من خلال سرديات دينية وتاريخية، تمنح النزاع أبعادًا أيديولوجية تتجاوز الواقع الميداني.
لماذا تصور الولايات المتحدة وإسرائيل الصراع الجاري كحرب دينية؟
وفي هذا السياق، لم يعد الخطاب الديني مجرد إطار تفسيري للصراع، بل بات حاضرًا بوضوح في تصريحات ومواقف رسمية.
فقد تبنى مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون خطابًا يوحي بأن الحملة ضد إيران تحمل طابعًا دينيًا، في تحول لافت في طبيعة اللغة المستخدمة لوصف المواجهة.
ويتضح أن هذا التوظيف الديني لا يقتصر على التفسيرات الإعلامية، بل يمتد إلى المؤسسات الرسمية نفسها، ما ينعكس على فهم الصراع من قبل الجنود وصناع القرار على حد سواء.
ميدانيًا، تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل تنفيذ ضربات داخل إيران، فيما ردت طهران باستهداف مواقع داخل إسرائيل، إلى جانب أصول عسكرية أمريكية في عدد من دول المنطقة.
ويكشف هذا التصعيد المتبادل عن اتساع رقعة الصراع، في وقت يتزامن فيه مع تصاعد خطاب رسمي يحمل دلالات تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، مشكلًا تداخلًا بين البعد الميداني والبعد الأيديولوجي للنزاع.
وفي هذا الإطار، أفاد مرصد أمريكي بأن بعض الجنود أبلغوا بأن الحرب تهدف إلى “استجلاب نهاية الزمان وفق النبوءات التوراتية”، بينما صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن إيران تدار من قبل “مجانين متعصبين دينيًا”.
وتعكس هذه التصريحات، سواء داخل المؤسسات أو في الخطاب العلني، حضورًا متناميًا للسرديات الدينية، مما يضفي على النزاع طابعًا أيديولوجيًا يتجاوز كونه نزاعًا جيوسياسيًا بحتًا.
تصريحات دينية في الخطاب الرسمي
وكشفت مؤسسة “الحرية الدينية” العسكرية أن بعض أفراد الجيش الأمريكي تلقوا إشعارات بأن الحرب مع إيران تهدف إلى “إحداث معركة هارمجدون” أو “نهاية العالم”، ما يدل على تسرب السرديات الدينية إلى مستويات تنفيذية داخل المؤسسة العسكرية، وليس فقط في الخطاب السياسي أو الإعلامي.
وذكر أحد ضباط الصف أن قائدًا عسكريًا طلب من الضباط إبلاغ الجنود بأن ما يجري “جزء من خطة إلهية”، مستشهدًا بنصوص من “سفر الرؤيا” حول هارمجدون وعودة المسيح، مضيفًا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصف بأنه “مختار إلهيًا من قبل المسيح لإشعال شرارة هارمجدون في إيران”.
وعلى المستوى العلني، لم يخل الخطاب السياسي من الإشارات الدينية أيضًا. فقد صرح السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي بأن “لا مانع” من أن تسيطر إسرائيل على “معظم الشرق الأوسط” باعتبار أن الأرض “وعدت لها في الكتاب المقدس”، مع تأكيده أن ذلك ليس هدفًا معلنًا.
ومن جهته، وصف وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث إيران بأنها “أنظمة مهووسة بأوهام نبوئية إسلامية”، في إشارة مرتبطة بمعتقدات شيعية حول نهاية الزمان، بينما أعاد ماركو روبيو التأكيد على توصيفه لإيران بأنها تدار من قبل “مجانين متعصبين دينيًا يسعون لامتلاك سلاح نووي”، وهو توصيف يساهم في نزع الشرعية عن الطرف الآخر وتجريده من العقلانية.
أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فقد استحضر نصوصًا من التوراة، مشبهًا إيران بـ”العماليق”، الذين ينظر إليهم في التراث اليهودي كرمز “للشر المطلق”، قائلًا: “نتذكر ما فعله عماليق بنا”، ليحول النزاع من نزاع سياسي إلى صراع رمزي بين “الخير” و”الشر”.
وفي المقابل، رد مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية بأن استخدام قصة “العماليق”، التي تتحدث عن إبادة شعب كامل، يستخدم لتبرير قتل المدنيين، كما حدث في غزة، وهو ما يعكس جدلًا متصاعدًا حول خطورة هذا النوع من الخطاب وتأثيره على قواعد الاشتباك الأخلاقي.
لماذا يتم تأطير الصراع كحرب دينية؟
ويشير الخبراء إلى أن استخدام الخطاب الديني في الصراعات يخدم أهدافًا متعددة ومترابطة، إذ يستخدم كأداة لتبرير الأفعال، وحشد الرأي العام، وكسب الدعم السياسي، كما يمنح الصراع غطاءً أخلاقيًا يبدو أكثر وضوحًا وبساطة مقارنة بالتعقيدات الجيوسياسية.
كما أن تصور كل طرف بأن الله يقف إلى جانبه يساهم في شيطنة الطرف الآخر وتجريده من الإنسانية، وهو ما ينعكس على طبيعة الصراع نفسه، ويجعل الوصول إلى حلول سلمية أكثر صعوبة، في ظل تحوله من نزاع قابل للتفاوض إلى صراع ذي أبعاد عقائدية.
ويعمل هذا الخطاب على عدة مستويات متداخلة؛ فهو يعزز الحشد الداخلي من خلال تقديم الحرب كقضية أخلاقية عاجلة، بدلًا من كونها نزاعًا سياسيًا معقدًا.
ويجد هذا النوع من الخطاب صدىً خاصًا داخل داخل الولايات المتحدة، خاصة بين الإنجيليين والصهاينة المسيحيين، الذين يرون صراعات الشرق الأوسط كجزء من سيناريو “نهاية الزمان”، وهو ما يجعل اللغة الدينية وسيلة مؤثرة في تشكيل التصورات العامة للصراع.
وفي هذا السياق، لا يقتصر تأثير هذه السرديات على البعد العسكري، بل يمتد ليعيد تشكيل الإطار الأخلاقي والسياسي للنزاع، بما يعقد فرص التسوية ويطيل أمد الصراع.
هل هذا الخطاب جديد؟
لا يعد تأطير الحروب بالخطاب الديني ظاهرة جديدة. فقد استخدم المسؤولون الإسرائيليون مصطلح “عماليق” سابقًا، لربط النزاعات المعاصرة بسردية تاريخية دينية، كما حدث خلال الحرب على غزة.
وفي أمريكا، لجأ رؤساء وقيادات سابقة إلى الخطاب الديني في سياقات مختلفة. بعد هجمات 11 سبتمبر، وصف الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الحرب على الإرهاب بأنها “حملة صليبية”، قبل أن تتراجع الإدارة لاحقًا عن هذا الوصف لتوضيح أنها ليست حربًا ضد الإسلام، بل مواجهة مع الإرهاب.
“هارمجدون” من التاريخ الاستراتيجي إلى الرمزية السياسية
لفهم جذور هذا الخطاب، لا بد من العودة إلى أحد أبرز مفاهيم “نهاية العالم” في التراث الديني، وهو مفهوم “هارمجدون” ، الذي ورد في “سفر الرؤيا” بوصفه موقعًا للمعركة النهائية قبل نهاية الزمان.
ويشار إلى هذا الموقع باسم “هارمجدون”، وهي كلمة يعتقد أنها مشتقة من العبرية “هار مجدو” (جبل مجدو)، في إشارة إلى منطقة تاريخية تقع في شمال فلسطين، عرفت عبر العصور بأهميتها الاستراتيجية وشهدت عددًا من المعارك القديمة.
ورغم ارتباط مفهوم نبوءات نهاية العالم بالتقاليد الدينية، فإن استدعاءه في الخطاب المعاصر — سواء سياسيًا أو إعلاميًا — غالبًا ما يتجاوز معناه الديني، ليصبح رمزًا لصراع كوني أو مواجهة نهائية.
خبير في الشؤون الإسرائيلية لـ”داي نيوز”: الصراع سياسي بامتياز.. والسرديات الدينية أداة للحشد والاستيطان
وفي هذا السياق، قال الخبير في الشؤون الإسرائيلية، عمرو زكريا، في حوار خاص لـ”داي نيوز” إن التصعيد بين إسرائيل وإيران هو في أساسه صراع سياسي، مرتبط بطبيعة نظام الحكم الإيراني وليس بإيران كشعب أو دولة بشكل خاص. وأوضح أن النظام الإيراني الحالي، الملالي الشيعي المتشدد، تحول من كونه حليفًا استراتيجيًا لإسرائيل قبل الثورة الإسلامية عام 1979، إلى رؤية إسرائيل كعدو أساسي في أيديولوجيته الجديدة.
وأشار زكريا إلى أن إسرائيل، بعد تأسيسها، كانت قد حظيت باعتراف إيران في عام 1950، واستمر التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي بينهما، لكن الثورة الإسلامية قلبت هذا التحالف إلى خصومة أيديولوجية.
وأضاف أن المخاوف الإسرائيلية متجذرة في تجربة اليهود مع الإبادة النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وأن الخطاب الإيراني الحالي، بما في ذلك تصريحات المرشد الأعلى علي خامنئي في 2015 بأن إسرائيل لن يكون لها وجود بعد خمسة وعشرين عامًا، يعزز هذه المخاوف.
وذكر زكريا أن إيران أنشأت في طهران “ساعة زوال إسرائيل” أو “ساعة قيامة إسرائيل” في ساحة فلسطين بالعاصمة، بمثابة عد تنازلي افتراضي لنهاية الدولة الإسرائيلية في 2040.
ومن هذا المنطلق، ترى إسرائيل ضرورة منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، نظرًا للأيديولوجية الإيرانية التي تهدف إلى القضاء على الدولة العبرية.
وعن الربط بين أي تصعيد في الشرق الأوسط وسيناريو “الحرب العالمية الثالثة”، قال زكريا إن المخاوف نابعة من طبيعة التحالفات الإقليمية، حيث تتجه بعض الدول العربية وإسرائيل نحو المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة وأوروبا، بينما تميل إيران نحو الصين وروسيا. وهناك خشية من انجرار الدول النووية الكبرى إلى النزاع، ما قد يحوله إلى صراع نووي بين الشرق والغرب.
وأضاف زكريا أن هذه المخاوف لا تعكس بالضرورة قراءة واقعية، موضحًا أنه بعد أكثر من أربعة أسابيع على الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، لم تحصل طهران على دعم يذكر من حلفائها التقليديين، روسيا والصين.
وأشار زكريا إلى أن روسيا، المنشغلة بحربها مع أوكرانيا، وجدت في الوضع الحالي فرصة لتحقيق مكاسب اقتصادية ودبلوماسية، بما في ذلك تخفيف بعض العقوبات النفطية، وربما تغض الطرف عن إيران لصالح مصالحها في المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا.
ومن منظور استراتيجي، اعتبر زكريا أن المنطقة ليست بالضرورة أقرب إلى صراع واسع النطاق، وأن الحديث عن “حرب كبرى” يندرج تحت التهويل الإعلامي، الذي قد يخدم مصالح إيران الخاصة عبر التأثير على أسعار النفط.
وأوضح أن القانون الأمريكي يسمح للرئيس بشن عمليات عسكرية دون موافقة الكونجرس لمدة لا تتجاوز ستين يومًا، وإذا ما طالت العمليات يجب الحصول على موافقة الكونجرس لاستمرارها، ما يجعل استمرار الحرب أكثر من ثلاثة أشهر أمرًا مستبعدًا. كما أشار إلى أن دول الخليج، رغم تعرضها لاعتداءات إيرانية، لا ترغب في توسيع نطاق الحرب.
وبالنسبة لتأثير السرديات الدينية على صنع القرار في إسرائيل، أشار زكريا إلى أن هذه السرديات تلعب دورًا في تعزيز عمليات الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية، حيث تشجع الأحزاب الدينية المشاركة في الحكومة على احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة مستندة إلى روايات توراتية وتلمودية.
وأضاف أن استخدام التسميات الدينية لهذه المناطق مثل “يهودا والسامرة” بدلًا من “الضفة الغربية” يعكس تأثير هذه السرديات على الخطاب السياسي الإسرائيلي، مؤكدًا أن هذا التأثير يمتد فعليًا إلى مؤسسات الدولة وليس مقتصرًا على الخطاب الأيديولوجي.
وختم زكريا بالإشارة إلى أن التيارات الدينية داخل اليمين الإسرائيلي، من خلال تمثيلها الحزبي ومشاركتها في الحكومة، تلعب دورًا محوريًا في تشكيل هذا الخطاب ودفع السياسات التي تستند إلى سرديات دينية تقليدية.



