اغتيال خامنئي ودخول حزب الله: ردع محسوب أم فخ تصعيد إقليمي؟
كسر حزب الله اللبناني حالة الترقب التي التزم بها في الساعات الأولى من الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، معلناً دخوله المباشر في المواجهة.
إطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه شمال إسرائيل لم يكن مجرد رد فعل عسكري، بل إشارة إلى نهاية دور “المراقب” الذي لعبه الحزب، وضعاً نفسه في قلب معادلة التصعيد. هذا التحول، الذي جاء عقب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، يفتح أبواب نقاش أوسع حول حسابات حزب الله الدقيقة في لحظة إقليمية معقدة، خاصة بعد الاستنزاف الذي تعرض له خلال حرب غزة عام 2024.
اندلعت الأزمة بعد فشل المفاوضات النووية في فبراير 2026، حيث رفضت طهران مطالب واشنطن بتفكيك منشآت نووية رئيسية مثل نطنز وفوردو. في 28 فبراير، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية مشتركة استخدمت فيها صواريخ توماهوك، طائرات إف-35، ومسيرات منخفضة التكلفة، مستهدفة قيادات إيرانية عليا ومواقع عسكرية في طهران، أصفهان، قم، وكرج. الضربة الأكثر إثارة كانت اغتيال خامنئي (86 عاماً) خلال اجتماع قيادي، بفضل تعاون استخباراتي بين الـCIA والموساد. أكدت إيران وفاته في 1 مارس، معلنة حداداً لـ40 يوماً، بينما احتفل معارضون في الشتات.
اقرأ أيضاً:من يخلف خامنئي؟ معركة سرية تحدد مستقبل إيران والمنطقة
يُعد اغتيال خامنئي تجاوزاً لخطوط حمراء استراتيجية، كما وصفه الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم بـ”الجريمة الكبرى”. هذا الاغتيال لم يقتصر على إضعاف النظام الإيراني، الذي شكل مجلس قيادة مؤقت بقيادة علي لاريجاني وسط احتجاجات داخلية وانقسامات في الحرس الثوري، بل دفع حزب الله إلى الرد المباشر.
إطلاق صواريخ على قواعد إسرائيلية مثل رمات دافيد وميرون يعكس حسابات دقيقة: هل يهدف الحزب إلى تثبيت معادلة ردع محدودة، أم أنه ينزلق نحو تصعيد أوسع قد يجر حلفاء طهران الآخرين، مثل الحوثيين والميليشيات العراقية، إلى كسر حيادهم؟ محللون يرون أن هذا الدخول يعزز من محور المقاومة، لكنه يعرض لبنان لمخاطر كارثية، خاصة بعد خسائر حزب الله في غزة التي أضعفت قدراته العسكرية.
ردت إسرائيل بغارات جوية واسعة على جنوب لبنان، بيروت، والبقاع، أسفرت عن مقتل 31-52 شخصاً وجرح 149-154 آخرين، مع تدمير أكثر من 70 موقعاً لتخزين الأسلحة والمؤسسات المالية مثل “القرض الحسن”.
كما أعلنت عمليات أرضية تكتيكية في جنوب لبنان، مع إجلاء سكان أكثر من 50 قرية. قتلت هذه الضربات قيادات مثل حسين مكلد (رئيس الاستخبارات لحزب الله) وقائد الجهاد الإسلامي في لبنان.
في السياق الداخلي اللبناني، أصدرت الحكومة برئاسة نواف سلام قراراً تاريخياً بحظر الأنشطة العسكرية لحزب الله، محصراً دوره في السياسة، وأمرت الجيش بمنع أي إطلاق نار. رفض قاسم هذا، محذراً من “حرب أهلية”، ما يعمق الانقسامات ويفتح الباب أمام توترات داخلية.
فاقم هذا التصعيد الأزمة الإنسانية والاقتصادية في لبنان المنهار، مع نزوح جماعي من الجنوب والضاحية الجنوبية وتدمير بنى تحتية. السؤال المركزي: هل يبقى الصراع محدوداً بأيام أو أسابيع، كما يتوقع رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، أم يتطور إلى مواجهة طويلة تهدد وجود حزب الله واستقرار لبنان؟ تهديد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتصفية قاسم كـ”هدف واضح” يضيف طبقة من التعقيد. اغتيال قاسم، الذي تولى القيادة بعد مقتل حسن نصر الله في 2024، قد يؤدي إلى تفكك حزب الله أو إجباره على التراجع، لكنه قد يشعل حرباً شاملة تجبر إيران على تدخل أوسع عبر وكلائها، مما يحول الصراع إلى متعدد الجبهات.
يرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الحرب مخطط لها لـ4-5 أسابيع، لكنها قد تطول، بينما يؤكد بنيامين نتنياهو أنها لن تستمر سنوات. محللون في معهد أكسفورد يقدرونها بـ1-3 أسابيع، مع احتمال التمدد إلى شهرين إذا استمرت المقاومة الإيرانية. التداعيات الإقليمية تشمل ارتفاع أسعار النفط بنسبة 13%، إغلاق مضيق هرمز، وهجمات وكلاء إيران على قواعد أمريكية ونفطية في الخليج. دولياً، تحذر الأمم المتحدة من تصعيد يهدد 300 مليون شخص، بينما تدعم واشنطن إسرائيل لكنها تحذر من توسع الصراع.
تصاعد المواجهة في الشرق الأوسط و خبراء يوضحون تداعيات المشهد
وفي هذا السياق أكد الدبلوماسي السابق والخبير في الشؤون الأمريكية السفير مسعود معلوف، أن القراءة السائدة للحرب الدائرة حالياً بين إيران وإسرائيل بدعم من الولايات المتحدة ليست دقيقة في توصيفها، مشدداً على أنه لا يرى المشهد باعتباره حرباً إسرائيلية مدعومة أمريكياً ضد إيران، بل يعتبرها حرباً إسرائيلية – أمريكية بشراكة كاملة ضد طهران، حيث تبدو واشنطن منخرطة بصورة مباشرة في مجريات المواجهة وليست مجرد طرف مساند.
وأوضح معلوف أن حجم الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة يعكس هذا الانخراط المباشر، مستشهداً بحشد المدمرات وحاملة طائرات أولى ثم الدفع بأكبر حاملة طائرات في العالم إلى البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب إرسال طائرات حربية متطورة من أحدث ما تمتلكه الولايات المتحدة.
واعتبر أن هذه التحركات لا يمكن تفسيرها على أنها مجرد دعم لإسرائيل، بل تعكس استعداداً أمريكياً لاحتمال خوض مواجهة عسكرية واسعة.
وأضاف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يتحضر لهذا المسار لأسباب متعددة، من بينها اعتبارات داخلية تتعلق بالضغوط السياسية والملفات المثارة ضده، ومنها أيضاً السعي إلى تحقيق إنجاز خارجي كبير يعزز موقعه السياسي. ولفت إلى أن ترامب يسعى إلى استعادة التأييد داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً في ظل تراجع دعم بعض أعضائه له، ومع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية، حيث لا يستطيع تحمل خسارة الحزب للأكثرية التي يتمتع بها حالياً في مجلسي الكونغرس.
وفي ما يتعلق بدخول حزب الله على خط المواجهة، وصف معلوف هذه الخطوة بأنها لافتة جداً، مشيراً إلى أن الحزب كان قد خاض ما سماه “حرب الإسناد” لحركة حماس منذ الثامن من أكتوبر 2023، ثم تعرض لحرب إسرائيلية واسعة طالت جنوب لبنان ومناطق أخرى وأدت إلى تدمير جزء كبير من قدراته العسكرية. وأوضح أنه بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، خرقت إسرائيل الاتفاق آلاف المرات بحسب توصيفه، من دون أن يرد الحزب أو يخرق الاتفاق ولو مرة واحدة، حتى بعد مقتل أمينه العام السابق حسن نصر الله.
وأشار إلى أن التدخل المفاجئ إلى جانب إيران أعاد إلى الواجهة النقاش الداخلي اللبناني حول طبيعة ارتباط الحزب بطهران، إذ رأى قسم من اللبنانيين في هذه الخطوة دليلاً إضافياً على أن الحزب يشكل ذراعاً إيرانية أكثر مما هو حزب لبناني داخلي مستقل القرار.
وتابع معلوف أن العمليات الأمنية التي طالت قيادات بارزة، سواء في حزب الله أو في إيران، تكشف حجم الاختراق الاستخباراتي الذي حققته إسرائيل والولايات المتحدة، معتبراً أن استهداف شخصيات بحجم الأمين العام السابق للحزب أو حتى المرشد الإيراني علي خامنئي، إلى جانب عشرات القادة، يدل على قدرة استخباراتية عالية واختراق عميق للبنى القيادية. ومن هذا المنطلق، رأى أن استهداف الأمين العام الحالي نعيم قاسم لم يعد أمراً مستحيلاً في ظل المعطيات الراهنة.
وحول السيناريو المحتمل في حال تنفيذ عملية اغتيال جديدة، رجّح معلوف أن يلجأ حزب الله إلى الرد عبر إطلاق صواريخ أو تنفيذ عمليات محدودة انطلاقاً من الداخل اللبناني، لكنه استبعد أن يؤدي ذلك إلى اندلاع حرب كبرى، مرجعاً ذلك إلى تراجع قدرات الحزب العسكرية بعد المعارك الأخيرة، وإلى التغييرات الإقليمية التي حدّت من قدرة إيران على إيصال أسلحة ثقيلة ومتنوعة إليه، خصوصاً بعد التحولات التي شهدتها الساحة السورية. وأكد أن الحزب لن يكون قادراً على الصمود طويلاً في مواجهة عسكرية واسعة مع إسرائيل، في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي الواضح.
كما استبعد معلوف توسع الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة، مشيراً إلى أن دول المنطقة لا تبدو معنية بخوض حرب بسبب حزب الله تحديداً، لافتاً إلى أن مواقف جامعة الدول العربية وعدد من الدول العربية أظهرت دعماً للموقف اللبناني الرسمي الساعي إلى ضبط السلاح وحصره بيد الدولة، وهو ما اعتبره مؤشراً على غياب الغطاء الإقليمي لأي تصعيد واسع.
وفي الشأن الداخلي اللبناني، رأى معلوف أن الدولة تمتلك من الناحية العسكرية القدرة النظرية على تنفيذ قرار مجلس الوزراء القاضي بحصرية السلاح بيد الدولة والجيش اللبناني، لكنها تفتقر إلى الغطاء المعنوي والسياسي الكافي لتنفيذ خطوة كهذه بالقوة، لما قد يترتب عليها من مخاطر انزلاق إلى مواجهة داخلية أو حتى إلى انقسام في صفوف المؤسسة العسكرية، في ظل وجود نسبة كبيرة من أبناء الطائفة الشيعية التي ترى في الحزب ممثلاً لها.
وأشار إلى أن الحكومة تتريث حالياً في الإقدام على أي مواجهة مباشرة لاسترداد سلاح الحزب، رغم ما تحظى به من دعم عربي وغربي، ورغم الحديث عن مؤتمرات دولية لدعم الجيش اللبناني، بعضها تم تأجيله بانتظار اتضاح مسار الحرب الجارية. وختم بالتأكيد على أن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، سواء لناحية قبول الحزب بالاكتفاء بالعمل السياسي انسجاماً مع القرار الرسمي، أو الاستمرار في عمليات عسكرية محدودة لا تؤدي إلى أضرار كبيرة داخل إسرائيل، مشدداً على أن المرحلة المقبلة وحدها ستكشف اتجاه التطورات في الداخل اللبناني.
من جانبه أكدت الدكتورة وئام عثمان أستاذة العلوم السياسية، أن ما يجري حالياً بين إيران وإسرائيل يمثل تحولاً جذرياً في طبيعة الصراع، موضحة أننا نعيش مرحلة “كسر عظام” حقيقية وتغيير لقواعد الاشتباك التي استمرت لعقود طويلة. وأشارت إلى أن المواجهة لم تعد تندرج في إطار “حرب الظل” أو الضربات غير المباشرة عبر وكلاء، بل انتقلت إلى مستوى أكثر صراحة ومباشرة، حيث باتت الأطراف الأساسية تنخرط بشكل مكشوف في العمليات العسكرية.
وأضافت عثمان أن إيران تسعى في هذه المرحلة إلى تثبيت معادلة “وحدة الساحات”، بما يعني منع استفراد أي طرف من أطراف ما يُعرف بمحور المقاومة، معتبرة أن طهران ترى أن كسر إحدى الحلقات سيؤدي إلى تفكيك المنظومة بأكملها. في المقابل، رأت أن إسرائيل، مدعومة بغطاء عسكري واستخباراتي أمريكي واسع، تعمل على تفكيك هذا المحور تدريجياً، بدءاً من قطاع غزة وصولاً إلى لبنان، عبر استراتيجية تستهدف البنية العسكرية والقيادية في آن واحد.
وفي تقييمها لدخول حزب الله على خط المواجهة، شددت عثمان على أن الأمر لم يعد في إطار التهديدات أو الرسائل المحدودة، بل تحول إلى فعل عسكري مباشر ومعلن، وهو ما يمثل نقلة نوعية في مسار الصراع. وأوضحت أن الحزب تعمّد أن يكون رده محسوباً من حيث التوقيت ونوعية الأهداف، بما يعكس التزاماً استراتيجياً واضحاً ضمن المحور الذي تنتمي إليه إيران.
ولفتت إلى أن الضربات التي نُفذت تحمل رسالة سياسية وعسكرية واضحة مفادها أن استهداف رأس القيادة الإيرانية لن يمر دون رد من مكونات المحور، معتبرة أن الحزب يسعى إلى تثبيت معادلة ردع جديدة تقوم على أن المساس بالقيادة العليا في طهران سيقابله توسيع لساحات الاشتباك، وليس حصر الرد داخل الجغرافيا الإيرانية وحدها.
كما فوصفت المخاطر بأنها هائلة، في ظل الوضع الاقتصادي الهش الذي يعيشه لبنان، مؤكدة أن أي انزلاق إلى حرب واسعة سيعني دماراً يفوق قدرة الدولة على التحمل، سواء من حيث البنية التحتية أو الاستقرار الاجتماعي والمالي.
وحول السيناريو المحتمل في حال استهداف الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، قالت عثمان إن إسرائيل تنتهج حالياً استراتيجية “قطع الرأس” عبر تصفية قيادات الصفين الأول والثاني، معتبرة أن اغتيال شخصية بحجمه سيمثل ضربة معنوية وتنظيمية قوية. إلا أنها شددت في الوقت نفسه على أن التجارب السابقة أظهرت أن الحزب يمتلك بنية مؤسساتية وعقائدية تتجاوز الأفراد، ما يعني أن غياب شخصية قيادية لا يؤدي بالضرورة إلى انهياره.
واستدركت بالقول إن استهداف رأس الهرم مجدداً قد يدفع المنطقة إلى “نقطة اللاعودة”، إذ إن رد الفعل قد يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية ليصل إلى استهداف مراكز ثقل استراتيجية في العمق الإسرائيلي، الأمر الذي قد يقود إسرائيل إلى إعلان عملية برية شاملة ومفتوحة. واعتبرت أن مثل هذا التطور سيضع الولايات المتحدة أمام خيار شبه حتمي بالانخراط المباشر لحماية إسرائيل، وهو ما قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية كبرى تتجاوز حدود لبنان وإيران.
وفي ما يتعلق بقرار الحكومة اللبنانية القاضي بحصر دور الحزب في العمل السياسي، رأت عثمان أن المعضلة الحقيقية تكمن في ضعف الدولة اللبنانية وأزماتها الاقتصادية العميقة، مؤكدة أن مؤسسات الدولة لا تمتلك حالياً الأدوات التنفيذية القهرية لفرض نزع سلاح الحزب أو إجباره على التحول إلى حزب سياسي تقليدي بالقوة. وحذرت من أن أي محاولة لاستخدام الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع الحزب قد تؤدي إلى انقسام عمودي داخل المؤسسة العسكرية نفسها، بما يفتح الباب فوراً أمام خطر حرب أهلية.
وأوضحت أن لبنان يقف بين مطرقة الضغوط الدولية والإسرائيلية التي تطالب بتنفيذ القرار 1701 وتجريد الحزب من سلاحه في الجنوب، وسندان الواقع الداخلي الذي يعتبر الحزب قوة وازنة لا يمكن تجاوزها بقرار حكومي منفرد. واعتبرت أن الخطر لا يقتصر على الضغط الإسرائيلي، بل يكمن أيضاً في احتمال انفجار داخلي إذا شعرت البيئة الحاضنة للحزب بأنها مستهدفة أو أن هناك محاولة لفرض شروط استسلام تحت النار، ما قد يدفع نحو تصادم داخلي لتخفيف الضغط الخارجي.
واختتمت عثمان تحليلها بالتأكيد على أن المشهد الإقليمي معلق بخيط رفيع، فإما الذهاب نحو تسوية إقليمية كبرى تعيد تعريف الأدوار وموازين القوى في المنطقة، أو الانزلاق إلى فوضى شاملة لن يسلم منها أحد، في ظل تصاعد الغارات والتوترات السياسية والعسكرية المتلاحقة.



