تقارير

استنزاف صواريخ الدفاع الجوي.. هل بدأت إسرائيل تقنين اعتراض الصواريخ الإيرانية؟

مع استمرار المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل، لم يعد التحدي الإسرائيلي مقتصرًا على إسقاط الصواريخ القادمة من إيران، بل بات يدور حول سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بقدرة منظومات الدفاع الجوي على الصمود دون استنزاف مخزونها من الصواريخ الاعتراضية الأكثر تطورًا.

ووفق تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، فإن إسرائيل بدأت بالفعل في تقنين استخدام بعض منظوماتها الدفاعية المتقدمة، خصوصًا صواريخ “آرو” الاعتراضية، في محاولة للحفاظ على مخزونها الإستراتيجي بعد أسابيع من الهجمات الإيرانية المتواصلة.

أربعة أسابيع من الهجمات المتواصلة

تشير الصحيفة إلى أن الهجمات الإيرانية ضد إسرائيل استمرت يوميًا لما يقارب أربعة أسابيع، وهو ما وضع منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية تحت ضغط غير مسبوق.

وخلال هذه الفترة، أطلقت إيران أكثر من 400 صاروخ باليستي إضافة إلى مئات الطائرات المسيّرة باتجاه الأراضي الإسرائيلية.

ورغم أن كثافة الضربات كانت أكبر في الأيام الأولى من المواجهة، فإن الهجمات استمرت بوتيرة شبه ثابتة خلال الأسابيع الأخيرة. وتزامن ذلك مع إطلاق عشرات المقذوفات يوميًا من قبل حزب الله من الجبهة الشمالية، ما زاد الضغط على منظومة الدفاع متعددة الطبقات لدى إسرائيل.

الاعتماد على صواريخ “آرو”

منذ بداية المواجهة، اعتمدت إسرائيل بشكل كبير على منظومة “آرو” لاعتراض الصواريخ الباليستية الإيرانية، وهي من أكثر أنظمة الدفاع الصاروخي تقدمًا لدى الجيش الإسرائيلي.

غير أن المخزون من هذه الصواريخ بدأ يتراجع، خاصة بعد استخدامها المكثف خلال المواجهة السابقة مع إيران في يونيو الماضي. هذا التراجع دفع إسرائيل إلى البحث عن بدائل مؤقتة لتعويض النقص في الصواريخ الاعتراضية المتطورة.

اللجوء إلى “مقلاع داود”

وفي هذا السياق، بدأت إسرائيل استخدام نسخ مطورة من منظومة “مقلاع داود” لاعتراض بعض الصواريخ الباليستية.

لكن هذه المنظومة صُممت أساسًا لاعتراض الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى والقذائف الثقيلة، وليس الصواريخ الباليستية الأكبر والأبعد مدى التي تطلقها إيران.

وتشير التقارير إلى أن نتائج هذه المحاولات كانت متفاوتة، إذ تمكن صاروخان باليستيان إيرانيان من اختراق الدفاعات الجوية وإصابة مدينتي ديمونا وعراد بعد محاولة اعتراضهما باستخدام ذخائر أقل تطورًا تم تعديلها لهذا الغرض.

ضربات ديمونا وعراد.. جرس إنذار

شكلت الضربتان اللتان أصابتا ديمونا وعراد نقطة تحول في تقييم الدفاعات الجوية الإسرائيلية.

فمدينة ديمونا تضم المنشأة النووية الرئيسية في إسرائيل، بينما سقط أحد الصواريخ في فناء مبنى سكني قديم في مدينة عراد، ما أثار مخاوف أمنية داخلية بشأن فعالية بعض عمليات الاعتراض.

وتعتبر هذه الحوادث بمثابة جرس إنذار داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، خاصة مع استمرار الهجمات الصاروخية وتزايد الحاجة للحفاظ على المخزون الإستراتيجي من الصواريخ الاعتراضية المتقدمة.

نظام دفاع جوي متعدد الطبقات

تعتمد إسرائيل في حماية أجوائها على منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات، تتكون من عدة أنظمة مصممة للتعامل مع أنواع مختلفة من التهديدات الصاروخية.

في الطبقة الأولى تأتي منظومة القبة الحديدية، التي يصل مداها إلى نحو 43 ميلًا، وهي مخصصة لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيّرة، وتتميز ببطارياتها المتحركة القادرة على الانتشار السريع.

أما الطبقة الثانية فتتمثل في منظومة مقلاع داود، التي يصل مداها إلى نحو 186 ميلًا، وتبلغ سرعتها حوالي 7.5 ماخ، وتستخدم لاعتراض الصواريخ كبيرة العيار والصواريخ الباليستية قصيرة المدى وصواريخ كروز.

وفي الطبقة الثالثة تأتي منظومة آرو 2، التي تبلغ سرعتها نحو 9 ماخ وتستخدم لاعتراض الصواريخ داخل الغلاف الجوي وخارجه.

أما الطبقة الرابعة والأكثر تطورًا فهي آرو 3، القادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاعات عالية خارج الغلاف الجوي، ويصل مداها إلى نحو 1491 ميلًا. وقد سُجل أول استخدام عملي لهذا النظام في نوفمبر عام 2023.

وتشير وحدة “ماخ” المستخدمة في قياس سرعة هذه الصواريخ إلى عدد المرات التي تتجاوز فيها السرعة سرعة الصوت.

تحديثات لتعويض النقص

في ظل تراجع مخزون صواريخ “آرو”، تسعى إسرائيل إلى توسيع قدرات المنظومات الدفاعية الأخرى من خلال إدخال تحديثات برمجية وإجراء اختبارات تقنية وترقيات على الأنظمة الحالية، بهدف رفع قدرتها على اعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.

غير أن هذه الحلول لا تقدم دائمًا النتائج المطلوبة، وهو ما ظهر في بعض حالات الاختراق التي سجلتها الصواريخ الإيرانية خلال الأسابيع الماضية.

حرب استنزاف في السماء

ويخلص تقرير وول ستريت جورنال إلى أن المواجهة الحالية لا تقتصر على معركة اعتراض صاروخي فحسب، بل تحولت إلى سباق استنزاف عسكري بين الطرفين.

ففي الوقت الذي تواصل فيه إيران إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، تسعى إسرائيل إلى إدارة مخزونها من الصواريخ الاعتراضية المتقدمة بحذر شديد.

وبحسب التحليل، فإن الطرف الذي ينفد مخزونه من السلاح النوعي أولًا قد يجد نفسه أمام خطر حقيقي يتمثل في فتح سمائه أمام الهجمات الصاروخية، ما يجعل معركة الدفاع الجوي عنصرًا حاسمًا في مسار هذا الصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى