
لم يُسجَّل أي تحرك من جانب الجهاز الدبلوماسي أو القوات الميدانية يتعارض مع المصالح الوطنية أو الأمن الوطني، إذ قدمت أركان الحكم جميعها، ولا سيما الجهاز الدبلوماسي، دعمها الكامل للقوات الميدانية والقوات المسلحة كلما اقتضت ظروف البلاد حسم المواجهة مع الطرف المقابل عبر الحضور الميداني والقوة العسكرية، ولا يزال هذا الدعم مستمرًا.
وفي المقابل، كلما توافرت إمكانية الاستعانة بالدبلوماسية والمفاوضات للتوصل إلى تفاهم أو اتفاق مع الطرف المقابل، بادرت مؤسسات الحكم والقوى الميدانية إلى دعم المسار الدبلوماسي والمفاوضات.
ومن شأن إدراك هذه الحقيقة المهمة، المتمثلة في أن الميدان والدبلوماسية يعملان ويتحركان معًا من أجل تحقيق أمن البلاد وصون المصالح الوطنية، أن يسهم في حل الكثير من المشكلات والتحديات التي تثيرها بعض الشخصيات والتيارات.
وعلى الرغم من ذلك، لا تتقبل بعض التيارات أساسًا مصطلحات مثل السلام ووقف إطلاق النار والحوار والتفاهم والاتفاق، وتواصل قرع طبول الحرب، وكأن جميع القضايا لا بد من حسمها عبر الحرب وحدها. كما أنها لا تولي اهتمامًا بالتكاليف والخسائر التي تتكبدها البلاد جراء الحرب، بل تستمر في الدعوة إليها.
ومن اللافت أن الحروب في العالم انتهت في نهاية المطاف بمفاوضات بين الأطراف المتنازعة والتوصل إلى اتفاقات. ويُعد تفاهم إسلام آباد أحدث مثال على ذلك فيما يتعلق بإيران، وهو تفاهم انتهكه الجانب الأمريكي.
كذلك، انتهت الحرب الإيرانية العراقية، التي استمرت ثماني سنوات، بعد التوصل إلى تفاهمات بين الطرفين واعتماد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598.
وفي الوقت الراهن، ترفع بعض الأطراف في الداخل الإيراني أصواتها بدعوات لا تدرك أنها تتقاطع مع مواقف المتشددين الداعين إلى الحرب في الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن ثم، ينبغي لهذه الأطراف أن تدرك ضرورة عدم العمل، عن قصد أو غير قصد، لصالح العدو.
ولا تقتصر المسألة على ذلك، إذ يتمثل الجانب الأكثر خطورة في أن هذه الأطراف شنت مرارًا هجمات على الوفد المفاوض، وسعت إلى تشويه صورته والنيل منه، كما اتخذت موقفًا معارضًا للدبلوماسية والمفاوضين، وأعلنت رفضها لهم من خلال شعارات رُفعت في بعض التجمعات، وعبر منابر ومنصات إعلامية مختلفة.
ويأتي ذلك رغم أن أي مفاوضات، في حال اتخاذ قرار بإجرائها، لا تتم إلا بتوجيه من المؤسسات العليا للنظام، مثل المجلس الأعلى للأمن القومي، وبالتنسيق الكامل مع قائد الثورة الإسلامية.
ومن هنا، فإن إعلان بعض التيارات ووسائل الإعلام عداءها للدبلوماسية والمفاوضين في البلاد يستدعي التأمل.
قائمة تضم 35 شخصًا
قبل فترة وجيزة، وفي خضم النقاشات الدائرة بشأن استجواب بعض وزراء الحكومة الرابعة عشرة، نُشر خبر أثار تفكير كثيرين، مفاده تسجيل طلب لاستجواب وزير الخارجية عباس عراقجي.
ووفقًا لبعض التفسيرات، جاء الطلب على ما يبدو بسبب مساعي الوزير إلى تجنب الحرب والعمل على إجراء مفاوضات مع الجانب الأمريكي.
ويطرح ذلك تساؤلًا بشأن أسباب سعي تيار متشدد بعينه إلى استجواب وزير الخارجية، في وقت يعمل فيه الوسطاء الإقليميون وغير الإقليميين، إلى جانب الأطراف المعتدلة في الجانبين، على الحيلولة دون اندلاع الحرب، ويدرسون مقترحات مختلفة بهدف التوصل إلى مفاوضات جادة قائمة على أسس سليمة تفضي إلى تفاهم أو اتفاق، خصوصًا أن هذا التيار لم يجلب للبلاد، حتى الآن، سوى الأعباء والخسائر.
ويرى منتقدو طلب الاستجواب أنه إذا أراد البرلمان تقييم أداء عراقجي استنادًا إلى برامجه وخطط عمله، لكان الأجدر به منحه وسامًا تقديرًا لأدائه المتميز، بدلًا من طرح مشروع لاستجوابه بدافع الممارسات السياسية غير الأخلاقية والنهج الفئوي.
ومن اللافت أن الغالبية العظمى من مؤيدي الاستجواب والموقعين على طلبه ينتمون إلى النواب المتشددين والمقربين من جبهة الصمود، وفقًا لقائمة تضم 35 شخصًا نشرها مؤخرًا محمود نبويان، النائب المتشدد عن طهران.
ويضم الموقعون على طلب الاستجواب تسعة نواب عن طهران، من أصل 30 نائبًا يمثلون العاصمة، وهم أمير حسين ثابتي، وعلي خضريان، وروح الله إيزدخواه، وأبو الفضل ظهره وند، ومهدي كوجك زاده، وكامران غضنفري، وأبو القاسم جراره، ومرتضى محمودي، ومحمود نبويان.
كما سبق تداول أسماء شخصيات أخرى، من بينها أمير حسين بانكي بور، وإبراهيم رضائي، ومحمد تقي نقد علي، ومحمد منان رئيسي، بوصفهم من الشخصيات المتشددة التي طالبت باستجواب وزير الخارجية.
لكن قائمة المتشددين المطالبين بالاستجواب تضم في الواقع 35 شخصًا، إذ كان من المرجح أن يظهر اسم حميد رسائي ضمنها لو كان حاضرًا اليوم، غير أنه انتهى به المطاف إلى السجن عقب النظر في القضية المتعلقة بالاتهامات الموجهة إليه.
وفي المقابل، يرى كثيرون أن استجواب قائد الدبلوماسية يشبه إطلاق النار على القدم، لأنه يحرم الجهاز الدبلوماسي للبلاد من دبلوماسي كفء مثل عباس عراقجي. ولا يقتصر أثر هذه الخطوة على إثارة مشكلات تعرقل مسار العمل الدبلوماسي، بل إنها لا تستند أساسًا إلى اعتبارات مرتبطة بتحقيق المصالح الوطنية.
انتقادات سياسية لمساعي استجواب وزير الخارجية
وفي تعليق على شروع المتشددين في البرلمان بإجراءات استجواب وزير الخارجية، قال ناشط سياسي إصلاحي إن هذه الخطوة تمثل خطأ جسيمًا، مؤكدًا أن التطرف باء بالفشل على الدوام، وأن العناصر المتطرفة والمتشددة لم تضحِّ يومًا بمصالحها الخاصة في سبيل المصالح الوطنية، بل حدث العكس باستمرار.
وأضاف أن هذه الأطراف لا تولي المصالح الوطنية اهتمامًا يُذكر، ولا ترى سوى مصالحها الشخصية والفئوية وسعيها إلى الاستحواذ على السلطة.
وقال محمد عطريانفر لصحيفة آرمان ملي إن النهج الذي يتبعه بعض المتشددين محكوم عليه بالفشل سلفًا، معربًا عن اعتقاده بأن هذه الخطوة لن تتخذ طابعًا عمليًا، ولن تصل إلى مرحلة التنفيذ أو الطرح في الجلسة العامة للبرلمان.
وأضاف عضو مجلس الإعلام الحكومي أن السبب واضح، إذ إن المسؤوليات الملقاة على عاتق عراقجي في ظل الأزمة الحالية بالغة الأهمية، كما أن أداءه وتحركاته يخضعان لسياسات المجلس الأعلى للأمن القومي، ومن الطبيعي أن يحظيا بموافقة قائد الثورة، لأن كل خطوة يتخذها تستند إلى قرارات معتمدة حظيت بموافقة القيادة.
وأكد أن التحركات التي يتابعها مفاوضون مثل محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي تحظى بموافقة النظام بأكمله، ولذلك لا يمكن لأي طرف توجيه الانتقادات إلى هذه الشخصيات من خلال التحركات المتطرفة.
من جانبه، قال عضو المجلس المركزي لحزب كوادر البناء إن الاستجواب يخضع لمعايير وضوابط محددة، إذ ينبغي تقييم أداء الوزير وفقًا للمعايير والمؤشرات والنماذج المعتمدة، مع تحديد أوجه التأخر في تنفيذ البرنامج.
وأضاف أنه، وفقًا للمعلومات المتوافرة لديه، فإن عراقجي يتخذ في الوقت الراهن خطوات تتجاوز البرامج الاعتيادية لوزارة الخارجية، معتبرًا أن المتشددين ينبغي لهم أن يقبّلوا يديه وذراعيه، وأن يعربوا له عن امتنانهم.
واختتم حديثه بالتأكيد أن العناصر المتشددة تفتقر، للأسف، إلى الفهم الواضح، وأن تحركاتها لا تستند إلى أي أسس أو مرتكزات.



