«إغراق السماء بالمسيرات».. كيف نجحت أوكرانيا في اختراق دفاعات روسيا؟

مع تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة على الأراضي الروسية، برز تكتيك عسكري جديد تتبعه أوكرانيا يعتمد على إطلاق أعداد كبيرة من المسيّرات في وقت واحد، بهدف إنهاك أنظمة الدفاع الجوي الروسية وتقليل قدرتها على التعامل مع موجات الهجوم.
وتقول تقارير غربية إن الهجوم الأوكراني الأخير على موسكو، والذي وُصف بأنه من أكبر الهجمات منذ بداية الحرب، يمثل نموذجًا واضحًا لهذه الاستراتيجية، حيث تسعى كييف إلى إرباك الدفاعات الروسية عبر تعدد الأهداف واتجاهات الهجوم، ما يزيد من صعوبة اعتراض جميع الطائرات المسيّرة.
وخلال السنوات الماضية، طورت أوكرانيا قدراتها في تنفيذ ضربات بعيدة المدى، مستهدفة منشآت عسكرية ومصافي نفط ومواقع استراتيجية داخل الأراضي الروسية. كما تمكنت من الوصول إلى مناطق حساسة، بينها محيط موسكو وسانت بطرسبرغ، في محاولة لنقل تأثير الحرب إلى العمق الروسي.
ويشير الباحث ماركوس شيلر من معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن أوكرانيا عملت بشكل مستمر على تطوير قدراتها الهجومية، خاصة في مجال الطائرات غير المأهولة، التي أصبحت أحد أبرز أسلحة الحرب الحالية.
دفاعات روسيا تحت الاختبار
في بداية الحرب، ركزت روسيا الجزء الأكبر من أنظمة الدفاع الجوي على الحدود الأوكرانية ومناطق القتال، لكن توسع الهجمات الأوكرانية أجبر موسكو على إعادة توزيع هذه الأنظمة لحماية مواقع داخلية ومدن رئيسية.
ولم تكتفِ أوكرانيا باستهداف الأهداف العسكرية فقط، بل ركزت أيضًا على ضرب بعض منظومات الدفاع الجوي والرادارات الروسية، بهدف تقليص قدرة موسكو على اكتشاف الهجمات والتعامل معها.
وتقول القوات الأوكرانية إنها تمكنت خلال الحرب من تدمير أعداد كبيرة من عناصر الدفاع الجوي الروسية، في إطار حملة تهدف إلى إضعاف شبكة الحماية الجوية.
ويرى خبراء عسكريون أن أنظمة الدفاع الجوي الروسية صُممت أساسًا لمواجهة الطائرات الحربية والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، وليس لمواجهة أسراب كبيرة من الطائرات المسيّرة الصغيرة والمنخفضة التكلفة.
وأوضح الباحث توماس ويثينغتون من المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن أن اكتشاف الطائرة المسيّرة على الرادار لا يعني بالضرورة القدرة على تتبعها واعتراضها، خاصة عندما تأتي الهجمات من عشرات أو مئات الأهداف في وقت واحد.
لماذا تنجح هجمات المسيرات؟
تعتمد استراتيجية أوكرانيا على فكرة “الإغراق”، أي إرسال عدد كبير من الطائرات المسيّرة في وقت واحد، ما يجبر الدفاعات الروسية على توزيع جهودها بين أهداف كثيرة.
فعندما تطلق أوكرانيا أكثر من 100 مسيّرة في هجوم واحد، فإن احتمال وصول بعضها إلى أهدافه يصبح أكبر، حتى في حال امتلاك الطرف المدافع أنظمة متطورة.
كما أن المسيّرات الحديثة تتميز بصغر حجمها وانخفاض سرعتها مقارنة بالطائرات التقليدية، ما يجعل اكتشافها وتعقبها أكثر تعقيدًا.
ويشير خبراء إلى أن التعامل مع هجوم واسع متعدد الاتجاهات يحتاج إلى تنسيق دقيق بين الرادارات ومنظومات الدفاع المختلفة، وهو أمر يمثل تحديًا كبيرًا لأي جيش.
تأثير الهجمات على موسكو
أدت الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة إلى اتخاذ روسيا إجراءات احترازية، من بينها تقليص بعض مظاهر الاحتفالات العسكرية الكبرى، بسبب ما وصفته السلطات الروسية بالظروف الأمنية المرتبطة بالحرب.
ورغم ذلك، تؤكد موسكو أنها ما زالت قادرة على إسقاط نسبة كبيرة من المسيّرات الأوكرانية، وأعلنت في إحدى العمليات الأخيرة اعتراض وتدمير مئات الطائرات المسيّرة في مناطق مختلفة.
لكن استمرار الهجمات المكثفة يثير تساؤلات حول قدرة الدفاعات الروسية على مواجهة موجات طويلة من الضربات، خصوصًا مع احتمالية استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية والذخائر المستخدمة في الدفاع الجوي.
تحولت الطائرات المسيّرة إلى أحد أهم أسلحة الحرب الروسية الأوكرانية، إذ منحت كييف وسيلة منخفضة التكلفة نسبيًا للوصول إلى أهداف بعيدة داخل روسيا.
وبينما لا تزال موسكو تمتلك شبكة دفاعية واسعة، فإن تكتيك الهجوم الجماعي بالمسيرات كشف تحديات جديدة أمام أنظمة الدفاع التقليدية، وأثبت أن كثافة الهجوم قد تكون عاملًا حاسمًا في تجاوز أقوى المنظومات الدفاعية.



