اقتصاد وتكنولوجيا

واشنطن تفتح باب «المرتزقة الرقميين».. شركات خاصة تدخل قلب الحرب السيبرانية ضد خصوم أمريكا

أقرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب سياسة جديدة تسمح لشركات الأمن السيبراني الخاصة بتنفيذ عمليات هجومية ضد تهديدات إلكترونية أجنبية، في تحول لافت قد يعيد رسم حدود العلاقة بين القطاع الخاص والمؤسسات العسكرية والأمنية الأميركية.

وبموجب السياسة الجديدة، ستدفع الحكومة الأميركية لشركات متخصصة لتنفيذ عمليات تستهدف شبكات حاسوبية تابعة لخصوم أجانب، بما يشمل التلاعب بالأنظمة، وإضعافها، وتعطيلها، وصولًا إلى تدميرها.

وتحتفظ الحكومة الأميركية تقليديًا بحق تنفيذ مثل هذه العمليات، لكنها تتجه الآن بصورة أكبر إلى الاستعانة بشركات وموظفين من القطاع الخاص لتنفيذ مهام إلكترونية هجومية في الخطوط الأمامية.

وتنص مذكرة رئاسية على إخضاع الشركات المشاركة للتدقيق والإشراف من وزارتي العدل والأمن الداخلي، مع حظر تنفيذ عمليات يمكن أن تؤدي إلى خسائر في الأرواح أو إصابات خطيرة. كما قد تواجه الشركات المخالفة لشروط التعاقد غرامات تصل إلى مليون دولار.

«القرصنة الخاصة» تعود في العصر الرقمي

وصف جيف غراي، المتخصص في الاستجابة للحوادث السيبرانية، السياسة الجديدة بأنها أشبه بـ«إحياء لنظام القرصنة الخاصة في العصر الرقمي».

ويعود مفهوم «القرصنة الخاصة» إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، عندما كانت الحكومات تمنح قباطنة سفن تفويضات رسمية لمهاجمة سفن تجارية تابعة لدول أجنبية.

ويرى غراي أن الولايات المتحدة تنقل الفكرة الآن إلى عالم البرمجيات والشبكات، وإن كان الفارق أن الشركات الحديثة لا تحصل على تفويض عسكري تقليدي، بل تعمل بموجب عقود وقواعد وإشراف حكومي.

وتقول المذكرة الرئاسية إن القدرات الابتكارية للشركات الأميركية لم تُستغل بما يكفي لتحقيق «تفوق سيبراني هجومي حاسم» للولايات المتحدة.

روسيا والصين في دائرة الاستهداف

تأتي الخطوة الأميركية في ظل تصاعد الهجمات الإلكترونية المدعومة من دول، إذ تشير تقارير غربية إلى أن روسيا تعتمد منذ سنوات على شركات ومجموعات خاصة لتنفيذ عمليات إلكترونية ضد أهداف غربية.

وقال بريت ليذرمان، مساعد مدير قسم الأمن السيبراني في مكتب التحقيقات الفيدرالي، إن الصين وروسيا تستعينان في كثير من الأحيان بشركات خاصة لتنفيذ عمليات اختراق، بما يمنح الدول قدرًا من القدرة على التنصل من المسؤولية المباشرة.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2016، فرضت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عقوبات على أفراد ومنظمات روسية على خلفية جهود التدخل في الانتخابات الأميركية، وشملت العقوبات جهات مرتبطة بعمليات اختراق إلكترونية.

كما أظهر تقرير لشركة «كراود سترايك» أن الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ارتفعت بنسبة 89% خلال عام 2025، في مؤشر على تسارع استخدام التقنيات الحديثة في الهجمات الإلكترونية.

نقل المعركة إلى قراصنة الإنترنت

تمثل السياسة الجديدة ابتعادًا عن النهج الأكثر تحفظًا الذي اتبعته إدارات أميركية سابقة، والتي كانت تمنع الشركات المتضررة من الهجمات الإلكترونية من اختراق أنظمة المهاجمين والرد عليهم بالمثل، خشية التسبب في أزمات أو تصعيد بين الدول.

أما إدارة ترمب فتتجه إلى إشراك القطاع الخاص بصورة مباشرة في مواجهة القراصنة والجماعات الإجرامية الموجودة خارج الولايات المتحدة.

ويرى مؤيدون لهذه الخطوة أنها قد تساعد واشنطن على إضعاف قدرات مجموعات إجرامية أجنبية تستخدم الهجمات الإلكترونية لاستهداف الأميركيين.

لكن خبراء آخرين يحذرون من تداعيات قانونية وجيوسياسية خطيرة.

وقال مات كيرتس، المسؤول السابق عن سياسة الأمن السيبراني في البيت الأبيض، إن الخطأ في تحديد هوية جهة مستهدفة قد يؤدي إلى أزمة دولية؛ فشركة أميركية قد تعتقد أنها تهاجم مجموعة إجرامية إيرانية أو روسية، بينما تكون المجموعة في الواقع مرتبطة بحكومة تلك الدولة أو خاضعة لحمايتها.

وفي هذه الحالة، قد تتحول العملية من مواجهة مع مجرمين إلى هجوم سيبراني أميركي على جهة مرتبطة بدولة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى رد وتصعيد.

«لا نختلف عن الصين وإيران»

حذر جيسون كيكْتا، المسؤول السابق في قيادة الأمن السيبراني الأميركية، من أن استخدام متعاقدين لتنفيذ عمليات حكومية قد يجعل الولايات المتحدة شبيهة بدول سبق أن انتقدتها بسبب هذا النهج، مثل الصين وإيران.

وقال إن شركات في تلك الدول شاركت في عمليات فدية إلكترونية وهجمات على بنوك أميركية وعمليات تجسس سيبراني، معتبرًا أن تبني الولايات المتحدة نهجًا مشابهًا قد يضعف موقفها في مواجهة هذه الممارسات.

وتنص السياسة الجديدة على إنشاء مركز وطني للتنسيق تديره وزارتا العدل والأمن الداخلي، ويتولى فحص الشركات المشاركة ومتابعة عملياتها.

الشركات الخاصة تقترب من ساحات القتال

لا تقتصر الاستعانة بالشركات الخاصة على الحرب الإلكترونية وحدها، إذ أصبحت شركات التكنولوجيا والدفاع الأميركية جزءًا متزايدًا من العمليات العسكرية الحديثة.

وفي أوكرانيا، يعمل مهندسون من شركات تكنولوجية ودفاعية إلى جانب القوات لتطوير وتعديل أنظمة الأسلحة والطائرات المسيّرة وفقًا للتطورات التي تظهر في ميدان القتال.

كما تدير شركة «سبيس إكس» أقمار «ستارلينك» التي توفر الاتصالات للقوات الأميركية، بينما سبق لوزارة الدفاع الأميركية أن تعاقدت مع شركة «أندوريل» لصيانة وتحديث طائرات مسيّرة في الميدان ونشر فرق تابعة لها بالقرب من قوات العمليات الخاصة.

وفي يوليو/تموز الماضي، تعاون مكتب التحقيقات الفيدرالي مع شركة «غوغل» لتعطيل شبكة روبوتات إلكترونية «بوت نت» استخدمها مئات القراصنة الإجراميين وجهات مدعومة من دول لإخفاء مصدر هجماتهم.

وبحسب مكتب التحقيقات الفيدرالي، كانت الشبكة تمرر الهجمات عبر ما لا يقل عن مليوني عنوان بروتوكول إنترنت تابع لخوادم وسيطة، قبل وصولها إلى أجهزة مثل أجهزة البث التلفزيوني وأجهزة التوجيه المنزلية.

«سولت تايفون» نموذج لحجم التهديد

وأشار ليذرمان أيضًا إلى هجوم التجسس السيبراني الصيني المعروف باسم «سولت تايفون»، الذي اكتُشف في أواخر عام 2024 واستهدف عددًا من أكبر شركات الاتصالات الأميركية.

وتمكن الهجوم من الوصول إلى هواتف شخصيات سياسية أميركية، من بينها دونالد ترمب، الذي كان مرشحًا للرئاسة آنذاك، ونائبه جي دي فانس.

وفي أبريل/نيسان، تعاقدت القيادة المركزية الأميركية مع شركة «شيلد إيه آي» لتوفير خدمات استخبارات ومراقبة واستطلاع باستخدام الطائرة المسيّرة «V-BAT»، في ترتيب تملك فيه الشركة المعدات وتتولى تشغيلها.

وقال براندون تسينغ، الشريك المؤسس للشركة، إن «شيلد إيه آي» لا توفر الطائرة وخدماتها فحسب، وإنما توفر أيضًا فرقًا تتمتع بخبرة عملياتية للعمل مع القوات في الميدان.

وتكشف هذه التطورات عن تحول أوسع في طبيعة الحروب الحديثة، إذ لم تعد المواجهة العسكرية مقتصرة على الجيوش والأسلحة التقليدية، بل أصبحت البرمجيات والذكاء الاصطناعي والشبكات الإلكترونية ساحات قتال رئيسية.

ومع السماح رسميًا لشركات خاصة بتنفيذ عمليات سيبرانية هجومية نيابة عن الحكومة الأميركية، تقترب شركات التكنولوجيا والأمن السيبراني أكثر من قلب العمليات العسكرية والأمنية، في خطوة قد تجعل الحدود بين الشركات الخاصة والقوات الحكومية أقل وضوحًا من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى