هل يمكن للإنسان أن يتحكم في شيخوخته ويطيل سنوات صحته؟

لم يعد مفهوم إطالة العمر يقتصر على زيادة عدد سنوات الحياة، بل أصبح يركز على الوصول إلى سن متقدمة مع الحفاظ على الصحة والحيوية والقدرة على الحركة والاستقلالية. ويعرف هذا المجال باسم علم إطالة العمر الصحي (Longevity)، الذي يحظى باهتمام متزايد حول العالم.
وترى أخصائية طب الأسرة والأمراض المزمنة الدكتورة بيان أبو الشيخ أن المشكلة الأساسية مع التقدم في العمر ليست الوصول إلى عمر معين، وإنما فقدان القدرة على الحركة والاستقلالية وظهور الأمراض المزمنة. لذلك يركز علم إطالة العمر على تحسين جودة السنوات التي يعيشها الإنسان، وليس مجرد زيادة عددها.
هل يمكن إطالة العمر بطريقة علمية؟
لا توجد وصفة سحرية لإبطاء الشيخوخة أو إطالة العمر الصحي، بحسب أبو الشيخ، إذ تبدأ الوقاية من الأساسيات التي تشمل النوم الجيد، والغذاء المتوازن، وممارسة النشاط البدني بانتظام.
ويعد النوم من أهم العوامل المرتبطة بالصحة مع التقدم في العمر، فيما يمكن لبعض الأجهزة والتقنيات الحديثة متابعة جودة النوم ومراحله، ومنها النوم العميق.
كما يمكن الاستعانة بمجموعة من المؤشرات الحيوية والفحوصات المخبرية لمعرفة حالة الجسم، بينما قد توفر تحاليل الحمض النووي مؤشرات عن العمر البيولوجي للإنسان.
فقد يتساوى شخصان في العمر الزمني، لكن أحدهما قد يمتلك مؤشرات صحية أفضل وعمرًا بيولوجيًا أصغر من الآخر.
ومن الفحوص التي يمكن أن تساعد في تقييم الحالة الصحية قياس الكتلة العضلية ونسبة الدهون وكثافة العظام، إلى جانب تقييم صحة القلب والرئتين ومعدلات الأيض، وفحص الجلد وقياس استهلاك الأكسجين المعروف باسم VO2.
وبناءً على نتائج هذه الفحوص، يمكن للطبيب وضع خطة لتحسين المؤشرات الصحية من خلال تعديل النظام الغذائي والنشاط البدني والنوم، وقد تشمل الخطة بعض الفيتامينات أو المكملات عند الحاجة وتحت إشراف طبي.
وتؤكد أبو الشيخ أن النتائج الصحية يمكن أن تتحسن مع الالتزام بالخطة، مشددة على أن مسؤولية الحفاظ على الصحة لا تقع على الطبيب وحده، إذ يظل التزام الفرد بنمط الحياة الصحي والمتابعة المستمرة عاملًا أساسيًا.
رونالدو وإطالة العمر الصحي
يعد نجم كرة القدم البرتغالي كريستيانو رونالدو من أبرز الرياضيين الذين تحدثوا علنًا عن أهمية الحفاظ على الصحة واللياقة مع التقدم في العمر.
وخلال حديثه مع ويل أحمد، مؤسس ورئيس شركة Whoop، تحدث رونالدو عن أهمية الانتظام في النوم والتدريبات البدنية والانضباط، معتبرًا أن الاستثمار في الصحة ينعكس بصورة مباشرة على جودة الحياة.
بين العلم والتسويق
مع الانتشار المتزايد لمفهوم إطالة العمر الصحي، بدأت دول عدة في تنظيم هذا المجال وإدخاله ضمن أطر طبية أكثر وضوحًا.
وتشير أبو الشيخ إلى أن الإمارات كانت من بين دول المنطقة التي اتجهت إلى تنظيم هذا التخصص، عبر برامج أكاديمية وعيادات متخصصة في إطالة العمر والشيخوخة الصحية.
ولا يقتصر المجال على الأطباء، بل يشمل الصيادلة والممرضين وأخصائيي العلاج الطبيعي والتغذية والعاملين في مجال اللياقة البدنية وغيرهم من المتخصصين في الرعاية الصحية.
لكن تزايد الحديث عن إطالة العمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي أدى أيضًا إلى انتشار معلومات ومنتجات لا تستند بالضرورة إلى أدلة علمية قوية.
وترى أبو الشيخ أن الفارق بين العلم والاتجاهات الرائجة يظهر عندما يتحول الحديث عن الصحة إلى ترويج تجاري لمنتجات أو بروتوكولات محددة.
ومن المصطلحات التي باتت منتشرة في هذا المجال الببتيدات (Peptides)، وهي سلاسل من الأحماض الأمينية تختلف وظائفها باختلاف تركيبها. وترتبط بعض الأدوية الحديثة بهذه الفئة أو بالمسارات التي تعمل من خلالها، ومنها علاجات تستخدم في مرض السكري وإنقاص الوزن.
هل الجينات تحدد مصير الإنسان؟
أظهرت الدراسات الحديثة أن امتلاك الإنسان جينًا مرتبطًا بمرض معين لا يعني بالضرورة أنه سيصاب بهذا المرض.
فالعوامل البيئية ونمط الحياة والغذاء والنوم والنشاط البدني يمكن أن تؤثر في طريقة عمل الجينات، وهنا يأتي دور علم ما فوق الجينات (Epigenetics)، الذي يدرس تأثير البيئة والعوامل المحيطة في نشاط الجينات دون تغيير تسلسل الحمض النووي نفسه.
وبالتالي، فإن الاستعداد الوراثي للإصابة بمرض لا يمثل بالضرورة حكمًا نهائيًا على مستقبل الإنسان الصحي.
كما تغيرت النظرة العلمية إلى الشيخوخة؛ فبعد أن كان يُنظر إليها باعتبارها مرحلة فسيولوجية طبيعية لا يمكن التدخل في مساراتها، أصبح هناك اهتمام علمي متزايد بفهم الآليات المرتبطة بالتقدم في العمر ومحاولة تأخير بعض مظاهر التدهور.
عندما يتحول السعي إلى الشباب إلى ضغط نفسي
رغم الفوائد المحتملة للاهتمام بالصحة مع التقدم في العمر، فإن الانشغال المفرط بمقاومة الشيخوخة قد يتحول إلى مصدر ضغط نفسي، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يركزون بصورة مبالغ فيها على المظهر الخارجي.
أما الهدف الأكثر واقعية، بحسب التجارب الواردة في التقرير، فهو الوصول إلى عمر متقدم مع أقل قدر ممكن من الأمراض والآلام، والحفاظ على القدرة على الحركة والاستقلالية.
وبذلك، لا يتعلق مفهوم إطالة العمر الصحي بمحاولة إيقاف الشيخوخة، وإنما بجعل سنوات العمر أكثر صحة وجودة وحيوية، مع الاعتماد على عادات يمكن الاستمرار عليها بدلًا من البحث عن حلول سريعة أو منتجات تقدم وعودًا غير مثبتة علميًا.



