أخبار دولية

كيف يمكن للولايات المتحدة إعادة بناء نفوذها في منطقة الساحل؟

تشهد منطقة الساحل الأفريقي تصاعدا في التهديدات الأمنية مع تنامي نفوذ الجماعات المسلحة وضعف بعض الحكومات المحلية.وتبحث الولايات المتحدة عن طرق لإعادة بناء حضورها هناك عبر شراكات مرنة توازن بين مكافحة “الإرهاب” وحماية مصالحها الاستراتيجية.

هذا ما أكده الباحث الأمريكي ليام كار، المتخصص في الشؤون الأفريقية والأمن القومي، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست.

ويقول كار إن الولايات المتحدة لديها فرصة جديدة لتحقيق اختراقات في غرب أفريقيا، لكن الظروف نفسها التي تخلق هذه الفرصة يجب أن تكون بمثابة رواية تحذيرية للمسؤولين الأمريكيين.

ومنح هجوم واسع النطاق مؤخرا شنته جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، التابعة لتنظيم القاعدة في غرب أفريقيا، الجماعة وحلفاءها السيطرة على أجزاء كبيرة من شمال مالي. وبينما حافظت السلطة العسكرية في مالي على قبضتها على الحكم، إلا أنها خرجت ضعيفة ومهينة بلا شك، وكذلك شركاؤها الروس. وتمثل هذه اللحظة فرصة للولايات المتحدة لتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب مع السلطات المالية، وتقليص النفوذ الروسي الضار، والحصول على إمكانية الوصول إلى معادن استراتيجية.

ورغم جاذبية هذه الفرصة، ينبغي على المسؤولين الأمريكيين التحرك بحذر. فالهجوم وإخفاقات روسيا في منطقة الساحل يوضحان التحديات الكبيرة التي ستواجهها الولايات المتحدة في محاولتها بناء شراكات عميقة في المنطقة. وينبغي أن تتبنى واشنطن نهجا يوازن بين الأهداف الأمنية الأمريكية المباشرة، مثل حماية المواطنين والشركات الأمريكية، وبين استغلال فرص التعاون المستدام في مالي والمنطقة المحيطة. ويختلف هذا النهج عن المقاربة الروسية الأخيرة في مالي، التي تقوم على الاندفاع السريع إلى شراكة غير مستقرة مع قادة قد يستبدلون قريبا، ما يترك الكرملين دون نتائج ملموسة.

وفي منطقة الساحل، أظهرت روسيا للولايات المتحدة ما لا ينبغي فعله. ولحسن حظ المسؤولين الأمريكيين، فإن روسيا سبقت في إظهار التحديات التي تنتظر الولايات المتحدة وأي شركاء محتملين آخرين. ففي أعقاب سلسلة من الهجمات الكبرى في أبريل/نيسان، تفاوضت القوات الروسية على انسحاباتها من مناطق واسعة في شمال مالي، وسط اتهامات غاضبة من شركائها المحليين بأنها تركت حلفاءها الماليين السابقين ليؤسروا “مثل الفئران”. وتؤكد موسكو أنها لا تنوي التخلي عن مالي، حيث تعيد قواتها تمركزها في المناطق الوسطى والجنوبية ذات الأهمية الاستراتيجية. ومع ذلك، تكشف هذه الانتكاسة عن حدود قدرة روسيا على احتواء التمرد المتصاعد بسرعة في البلاد، وهو ما يمثل تحديا كبيرا لأي شركاء أمنيين.

وإلى جانب الفرصة التي حققتها إخفاقات موسكو، فإن الهجمات تؤكد الحاجة إلى وجود أمريكي في المنطقة الأوسع لحماية المواطنين والمصالح الأمريكية. فقد أصدرت السفارة الأمريكية في مالي عدة تحذيرات أمنية في الأسابيع الأخيرة، تحث فيها المواطنين الأمريكيين على البقاء في أماكنهم بسبب تحركات مسلحين قرب العاصمة باماكو. وحتى قبل الهجوم الأخير، استهدفت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” منجما مدعوما من الولايات المتحدة في مالي، كما قامت جماعة “تنظيم الدولة الإسلامية – ولاية الساحل” باختطاف مواطن أمريكي من العاصمة في النيجر المجاورة.

وعلى الرغم من هذه التهديدات الخطيرة، ينبغي على الولايات المتحدة ألا تربط نفسها بالقادة غير الفاعلين أو غير المستقرين في المنطقة. فاستراتيجية الحكومات العسكرية في المنطقة تقوم على استخدام العنف المفرط، وهو ما أدى في النهاية إلى تسريع وتيرة أعمال التمرد في الساحل بدلا من إخضاعها. ولن يؤدي أي مستوى من المساعدات الأمريكية إلى إخراج هذه الأنظمة من المأزق الذي وضعت نفسها فيه عبر سياسات قمعية وغير فعالة.

ويقول كار إنه لتحقيق نتائج مختلفة مستقبلا، ينبغي على الولايات المتحدة التحول إلى تعاون أكثر استهدافا يركز بشكل أساسي على حماية المواطنين والشركات الأميركية في المنطقة. وفي هذا السياق، تعد عمليات المراقبة والاستطلاع الجوي الأمريكية فوق مالي مثالا مناسبا للتعاون المحدود الذي لا يصل إلى مستوى الشراكة الملزمة. ومن خلال هذه الرحلات، يمكن للولايات المتحدة التعاون مع السلطات المالية لتحديد مواقع الجماعات المسلحة مسبقا، مع تجنب الدعم الشامل للسلطة العسكرية. ويرى كار أن هذه الأشكال غير القتالية من المساعدة تتيح للولايات المتحدة التصدي للتهديدات مبكرا، وتساعد الحكومة المالية على إضعاف جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” قرب العاصمة باماكو حيث يوجد المواطنون الأمريكيون، وهو نموذج يمكن تطبيقه في أنحاء المنطقة.

ويقول كار إن هذا النهج يجب أن يراعي، قبل كل شيء، احتمال وصول سلطات جديدة إلى الحكم. وينبغي للولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين وضع خطط جاهزة للتعامل مع حكومة جديدة أو دعم مرحلة انتقالية. ويجب أن تحاكي هذه الخطط طريقة تعامل واشنطن الحالية مع السلطة العسكرية في مالي، عبر تقديم مساعدات محدودة تمكن الحكومة من احتواء التمرد والتفاوض معه من موقع قوة. ومع وجود إطار مرن يتيح أيضا إمكانية شراكة طويلة الأمد إذا تحسنت الظروف، يمكن للولايات المتحدة وحلفائها التفوق على منافسين مثل روسيا أو الصين.

وبالنظر إلى غياب شركاء مثاليين في منطقة الساحل نفسها، فإن العمل عبر شركاء أكثر استقرارا في المناطق المجاورة يجب أن يكون جزءا من الاستراتيجية. فالولايات المتحدة تربطها علاقات قوية مع المغرب وعلاقات متنامية مع الجزائر، وكلاهما يلعب دورا مهما في الساحل. كما أن دول غرب أفريقيا الساحلية مثل بنين وكوت ديفوار وغانا وموريتانيا تعد شركاء دفاعيين للولايات المتحدة وتواجه تهديدات مشتركة من الجماعات الجهادية، ويمكن لهذه الدول أن تكون وسطاء مهمين وتساهم في تقاسم أعباء الأمن في المنطقة.

وتجد إدارة ترامب نفسها في موقف معقد. فالحضور الأمريكي ضروري لحماية المصالح الأمنية، لكن المنطقة تعاني من انقلابات وانهيارات وثورات متكررة. وقد تمثل الأزمة الحالية في مالي فرصة لمواجهة النفوذ الروسي ومعالجة مخاوف مكافحة الإرهاب، لكنها لن تتحقق عبر الانخراط السريع في شراكات مع حكومات عسكرية غير مستقرة قد لا تستمر طويلا. إن بناء أشكال محدودة من التعاون يمكن أن يحقق أهدافا فورية ويشكل أساسا لشراكة طويلة الأمد، دون ربط الولايات المتحدة بمغامرات فاشلة أو التضحية بفرص التعاون مع حكومات جديدة قد تصل إلى الحكم لاحقا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى