ظاهرة النينيو تهدد صناعة صيد الأسماك في بيرو.. إغلاق المصايد يرفع مخاطر أزمة غذائية عالمية

أوقفت بيرو موسم صيد أسماك الأنشوجة في يونيو 2026، قبل أن تحوّل التعليق المؤقت إلى إغلاق كامل في منتصف أغسطس، وسط مخاوف من تراجع أعداد الأسماك بفعل ظاهرة النينيو وارتفاع حرارة المحيطات، إلى جانب عقود من الصيد الجائر.
ويمثل القرار ضربة لواحدة من أهم صناعات الصيد في العالم، إذ تسهم الأنشوجة البيروفية بنحو عُشر إجمالي الصيد التجاري العالمي منذ عام 1970، كما تُعد بيرو أكبر مصدر لمسحوق السمك، الذي يدخل في صناعة أعلاف مزارع الأسماك والثروة الحيوانية ومنتجات أخرى.
خسائر اقتصادية تتجاوز حدود بيرو
تصل قيمة صيد الأنشوجة في بعض السنوات إلى نحو 3 مليارات دولار، ويوفر القطاع قرابة 50 ألف وظيفة مباشرة، فيما يرتفع العدد إلى نحو 250 ألف وظيفة عند احتساب الوظائف غير المباشرة.
وتشير التوقعات الواردة في التقرير إلى أن قطاع الصيد البيروفي قد ينكمش بنسبة 30.7% خلال عام 2026، مع احتمال فقدان نحو 78 ألف وظيفة هذا العام و44 ألف وظيفة أخرى في 2027.
ولا تقتصر التداعيات على الاقتصاد المحلي؛ فالإغلاق يضغط على إمدادات مسحوق السمك وزيته، وقد يؤدي إلى ارتفاع أسعارهما عالميًا، بما ينعكس على تكاليف الإنتاج في قطاعات تربية الأحياء المائية والثروة الحيوانية، وصولًا إلى أسعار بعض السلع الغذائية.
لماذا أوقفت بيرو الصيد؟
جاء القرار بعد موسم شهد صعوبات في تحقيق الحصة المقررة. ففي بداية أبريل 2026، حددت وزارة الإنتاج البيروفية الكمية المسموح بصيدها عند 1.9 مليون طن، لكن السلطات أغلقت المصايد لمدة 15 يومًا خلال مايو، ولم تتجاوز الكمية المصطادة 24% من الحصة المحددة.
وكان معهد البحر في بيرو قد أوصى بتعليق الصيد، محذرًا من المخاطر المرتبطة بظاهرة النينيو، التي يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع حرارة المياه واضطراب الظروف البيئية التي تعتمد عليها الأنشوجة.
وتعد الأنشوجة البيروفية، المعروفة علميًا باسم Engraulis ringens، نوعًا مختلفًا عن الأنشوجة الأصغر حجمًا المستخدمة في بعض الأطباق والصلصات. ويُستهلك جزء محدود من المصيد البيروفي مباشرة، بينما يُحوَّل أكثر من 90% منه إلى مسحوق السمك وزيته لاستخدامهما في صناعات غذائية وزراعية حول العالم.
كيف تهدد النينيو أعداد الأنشوجة؟
تعتمد الثروة السمكية قبالة سواحل بيرو وتشيلي بدرجة كبيرة على تيار همبولت، الذي يجلب مياهًا باردة غنية بالمغذيات من أعماق المحيط إلى سطحه. وتساعد هذه العملية على نمو العوالق التي تتغذى عليها الأنشوجة، ما يجعل المنطقة من أكثر مناطق الصيد إنتاجية في العالم.
لكن ظاهرة النينيو تُضعف الرياح التجارية وتسمح بانتشار المياه الدافئة شرقًا نحو سواحل أمريكا الجنوبية. وعندما ترتفع حرارة المياه السطحية، تتراجع عملية صعود المياه الباردة الغنية بالمغذيات، فتقل العوالق المتاحة للأنشوجة وتتقلص المناطق المناسبة لعيشها.
ويمتد التأثير إلى السلسلة الغذائية البحرية بأكملها؛ فتراجع أعداد الأنشوجة يهدد الطيور البحرية والأسماك المفترسة والكائنات الأخرى التي تعتمد عليها مصدرًا للغذاء، فضلًا عن المجتمعات والصناعات التي تعتمد على صيدها.
ويحذر التقرير من أن ظاهرة النينيو المتوقعة خلال الفترة الحالية قد تكون من أشد الظواهر المسجلة منذ أواخر القرن التاسع عشر، مع الإشارة إلى أن تقديرات قوتها لا تزال مرتبطة بالنماذج المناخية والتطورات الفعلية للظاهرة.
الصيد الجائر يزيد هشاشة المخزون السمكي
لا ترجع أزمة الأنشوجة إلى التغيرات المناخية وحدها، إذ أسهم الصيد الصناعي المكثف في جعل المخزون السمكي أكثر عرضة للصدمات البيئية.
ففي عام 1970، تجاوز المصيد البيروفي 12 مليون طن، قبل أن ينهار بنسبة 88% في عام 1973. وفي عام 1984، تراجع المصيد مجددًا إلى أقل من 100 ألف طن، ثم تعافى إلى نحو 9.6 مليون طن في عام 2000، قبل أن تنخفض الكميات السنوية في السنوات الأخيرة إلى نطاق يتراوح بين مليوني طن و4 ملايين طن.
ويشير التقرير إلى أن الانهيارات الكبيرة في مصايد الأنشوجة ارتبطت عادة بتزامن ظاهرة النينيو القوية مع مخزونات تعرضت بالفعل لضغط الصيد المفرط. كما يزيد تغير المناخ من حرارة المحيطات وتحمضها، ما يضيف ضغوطًا جديدة على الحياة البحرية.
وتشير تقديرات بحثية أوردها التقرير إلى احتمال تراجع كمية الأنشوجة في المحيط بنسبة تتراوح بين 8% و14% كل عقد خلال القرن الحادي والعشرين، نتيجة ارتفاع حرارة المياه والتغيرات في الملوحة ومستويات الأكسجين ومواسم التكاثر وتوزيع الأسماك بحسب مراحل نموها.
تكنولوجيا الصيد تعقّد مهمة حماية الأسماك
تتجمع الأنشوجة في أسراب ضخمة خلال النهار، وهي استراتيجية طبيعية تساعدها على تقليل خطر الافتراس. لكن هذا السلوك يجعلها هدفًا سهلًا نسبيًا لسفن الصيد الصناعية، التي تستخدم شباكًا كبيرة لإحاطة الأسراب ورفع كميات هائلة من الأسماك في وقت قصير.
ويزيد هذا النمط من صعوبة تقدير أعداد الأنشوجة بدقة؛ فوجود سرب كثيف لا يعني بالضرورة أن المخزون السمكي وفير في بقية المنطقة.
وفي المقابل، كثفت السلطات البيروفية الرقابة على المصايد. ففي عام 2024، أجرت نحو 163 ألف عملية تفتيش وصادرت ألف طن من الأنشوجة المصطادة بصورة غير قانونية. ومع ذلك، يظل الصيد غير القانوني وغير المبلغ عنه وغير المنظم تحديًا عالميًا، إذ تُقدَّر كمياته بنحو خُمس المصيد التجاري القانوني.
قرار الحماية يواجه ضغوط الصناعة
يضع إغلاق المصايد الحكومة البيروفية أمام معادلة صعبة بين حماية المخزون السمكي والحفاظ على الوظائف والإيرادات. فالصناعة تتركز بصورة متزايدة في أيدي شركات كبرى محلية وأجنبية، ما يزيد من حجم الضغوط الاقتصادية المرتبطة بقرارات وقف الصيد.
لكن تجربة بيرو توضح أن الالتزام بالحصص وحده لا يضمن استدامة المصايد إذا كانت أعداد الأسماك منخفضة أصلًا أو معرضة لصدمات مناخية شديدة.
ويشير التقرير إلى أن انهيار مصايد سمك القد في شمال الأطلسي خلال تسعينيات القرن الماضي يمثل مثالًا على مخاطر استمرار الصيد رغم تراجع المخزون إلى مستويات لا تسمح بتلبية الحصص المقررة.
وتخلص القضية إلى أن مستقبل صناعة الأنشوجة لن يتوقف على قرارات الصيد وحدها، بل سيتأثر أيضًا بقدرة السلطات على تطبيق القيود العلمية، وبمسار ظاهرة النينيو، ومدى نجاح الجهود الدولية في الحد من الاحترار المناخي وحماية النظم البيئية البحرية.



