حظر التجول يهدئ اضطرابات فرنسا مؤقتًا.. واحتجاجات جديدة تهدد الاقتصاد وترفع عوائد السندات

ساهمت إجراءات حظر التجول الليلي في تهدئة الأوضاع داخل عدد من المدن الفرنسية التي شهدت أعمال عنف واضطرابات خلال الأيام الماضية، إلا أن الحكومة تواجه تحديات جديدة مع الاستعداد لتنظيم احتجاجات إضافية خلال عطلة نهاية الأسبوع، وسط تصاعد الغضب الشعبي بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة.
وقالت الحكومة الفرنسية إن الإجراءات الأمنية ساعدت على الحد من الاضطرابات في المدن الكبرى، بعدما شهدت مناطق في باريس ومرسيليا وليون أعمال شغب ونهب خلال الاحتجاجات الأخيرة، في واحدة من أشد موجات الاضطراب التي تشهدها البلاد منذ سنوات.
حظر التجول وتشديد الإجراءات الأمنية
أكد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو أن حظر التجول الموجه ساهم في استعادة الهدوء خلال الليل، مشيرًا إلى إمكانية تمديد الإجراءات عند الضرورة.
وشهدت العاصمة باريس انتشارًا أمنيًا مكثفًا، إذ أخلت الشرطة ساحة الجمهورية وأحكمت السيطرة عليها طوال الليل، بالتزامن مع تحليق مروحية لمراقبة الوضع. وفي مدينة ليل شمال البلاد، كثفت الشرطة دورياتها وعمليات التحقق من الهويات، بالتزامن مع تطبيق قيود على حركة القاصرين.
كما أعلن عمدة مرسيليا، بينوا بايان، عزمه فرض حظر تجول على القاصرين في المناطق التجارية الأكثر تضررًا من أعمال الشغب، بدءًا من ليلة الثلاثاء.
وفي السياق نفسه، قال وزير العدل جيرالد دارمانين إن 149 شخصًا جرى توقيفهم خلال اضطرابات نهاية الأسبوع ما زالوا رهن الاحتجاز، فيما أشار إلى أن نحو 2500 شخص كانوا لا يزالون قيد الاستجواب.
احتجاجات جديدة بسبب غلاء المعيشة وتراجع الخدمات
تأتي الاضطرابات على خلفية تداخل عدة عوامل، من بينها إضرابات طلاب المدارس الثانوية والاحتجاج على تراجع مستوى التعليم، إلى جانب الغضب من ارتفاع الأسعار والشعور بتراجع جودة خدمات الصحة والإسكان والرعاية الاجتماعية.
ورغم الهدوء النسبي الذي شهدته الشوارع، تستعد مجموعات طلابية لتنظيم احتجاجات جديدة السبت المقبل، في محاولة لمواصلة الضغط على الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته لإجراء إصلاحات في قطاع التعليم.
كما دعت مجموعات تعرف باسم «السترات الصفراء» إلى تحركات احتجاجية متفرقة اعتراضًا على ارتفاع تكاليف الوقود، في عودة للحركة التي برزت عام 2018 احتجاجًا على خطط زيادة الضرائب على البنزين، قبل أن تتطور آنذاك إلى احتجاجات واسعة وإغلاق طرق ومواجهات استمرت أشهرًا.
في المقابل، لم تنضم النقابات العمالية الفرنسية الرئيسية، ومن بينها نقابة الكونفدرالية العامة للعمل، إلى الدعوات لتنظيم احتجاجات السبت حتى الآن.
عوائد السندات الفرنسية تسجل أعلى مستوياتها منذ 24 عامًا
امتدت تداعيات الاضطرابات إلى الأسواق المالية، إذ ارتفعت عوائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2002، وسط مخاوف المستثمرين من استمرار الاحتجاجات وتفاقم حالة عدم الاستقرار السياسي.
وتأتي هذه التطورات قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، في ظل تصاعد المنافسة السياسية وتقدم مرشحين من اليمين المتطرف واليسار المتشدد في استطلاعات الرأي.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة وإعادة التركيز على إقرار الموازنة، دعا ليكورنو ممثلين عن أحزاب من الحكومة والمعارضة إلى مشاورات مقررة الخميس. وأعلن حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، بقيادة مارين لوبان، عزمه إرسال ممثل، بينما لم يتضح موقف حزب فرنسا الأبية اليساري بقيادة جان لوك ميلانشون.
وأكد رئيس الوزراء أن الحكومة ستراجع أوجه القصور التي ظهرت خلال الاحتجاجات الأخيرة، متعهدًا باستعادة النظام العام، في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطًا أمنية وسياسية متزايدة.
امتداد الاضطرابات إلى إيطاليا وألبانيا
لم تقتصر الاحتجاجات على فرنسا، إذ شهدت إيطاليا وألبانيا تحركات مماثلة مرتبطة بالغضب من الأوضاع المعيشية والسياسات الحكومية.
وفي إيطاليا، تستعد حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني لمناقشة إجراءات التعامل مع اضطرابات شهدتها مدينة ميلانو وعدد من المدن الشمالية، بينها بولونيا وبريشيا وبرغامو وتورينو.
وقال نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني إن الاستجابة ستشمل نشر 500 جندي للمساعدة في تأمين ميلانو، بعدما دفعت أعمال النهب بعض المتاجر في مناطق التسوق الرئيسية إلى إغلاق واجهاتها أو إزالة البضائع من المعروضات.
أما في ألبانيا، فتواصلت الاحتجاجات في العاصمة تيرانا لليوم السابع على التوالي، بمشاركة طلاب ومحتجين يطالبون بتغييرات في أداء حكومة رئيس الوزراء إيدي راما.
وتواجه الحكومة الفرنسية بذلك اختبارًا مزدوجًا يتمثل في تثبيت الاستقرار الأمني والاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية، بينما تظل احتمالات تجدد الاحتجاجات عامل ضغط على الأسواق والمشهد السياسي مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي.



