بعد تهديدات بـ”جرائم حرب”.. هل يقترب الديمقراطيون من عزل ترامب؟

كتبت: هدير البحيري
في خطوة تصعيدية نادرة، اتجهت قيادة الحزب الديمقراطي في مجلس النواب إلى دراسة استخدام التعديل الـ25 من الدستور الأمريكي كآلية لعزل الرئيس دونالد ترامب، وسط تصاعد المخاوف من تصريحاته الأخيرة تجاه إيران.
وبالتزامن مع ذلك، يسعى الديمقراطيون إلى تمرير قرار يقيد صلاحيات الرئيس في شن حرب ضد إيران خلال جلسة شكلية، وفقًا لما أورده موقع “أكسيوس”.
وفي رسالة داخلية، أوضح زعيم الأقلية الديمقراطية حكيم جيفريز أن عضو اللجنة القضائية جيمي راسكين سيعقد جلسة إحاطة افتراضية، الجمعة، لبحث مساءلة إدارة ترامب وإمكانية اللجوء إلى هذا الإجراء الدستوري.
وجاء ذلك بعد منشورات ترامب على منصة “تروث سوشيال” تضمنت تهديدات بتصعيد عسكري واسع، وصفها جيفريز بأنها دعوة إلى “إبادة حضارة بأكملها”، في إشارة واضحة إلى إيران.
وأضاف أن الديمقراطيين سيواصلون الضغط على الجمهوريين لـ”تغليب الواجب الوطني على الولاء الحزبي” ووقف هذا التصعيد.
ورغم وجود قدر من التفاؤل داخل المعسكر الديمقراطي، تشير التوقعات إلى أن الجمهوريين سيعرقلون أي محاولة للحصول على موافقة بالإجماع، ما قد يؤجل التصويت على قرار صلاحيات الحرب إلى ما بعد عودة المجلس من عطلته الأسبوع المقبل.
من جانبه، اعتبر راسكين أن تصريحات ترامب تمثل “تهديدات مختلة بارتكاب جرائم حرب”، مشيرًا إلى أن الدستور ليس مصممًا بشكل مثالي لمثل هذه الحالات الطارئة، لكنه أكد أن التعديل الـ25 يبقى “أقرب سبيل لتدخل فيدرالي عاجل”.
ويتيح هذا التعديل للكونجرس تشكيل “هيئة خاصة” لتقييم أهلية الرئيس، إلى جانب إمكانية تحرك نائب الرئيس ومجلس الوزراء، رغم أن هذا المسار لا يعد حلًا مثاليًا بالكامل.
وبلغ التوتر ذروته بعد تحذير ترامب من أن “حضارة بأكملها ستموت الليلة” إذا لم يفتح مضيق هرمز، ما أثار موجة واسعة من المطالبات داخل الكونجرس.
فقد دعا أكثر من 85 نائبًا ديمقراطيًا، إضافة إلى عضوين في مجلس الشيوخ، إلى تفعيل التعديل الـ25 أو مطالبة نائب الرئيس جي دي فانس ومجلس الوزراء بعقد اجتماع عاجل لبحث عزل الرئيس.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، لم تتراجع هذه الدعوات. بل ركزت قيادة الديمقراطيين على مطالبة رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون باستدعاء المجلس للتصويت على صلاحيات الحرب، دون الخوض مباشرة في مسألة التعديل الدستوري، في محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين الضغط السياسي والاعتبارات الدستورية.
وبحسب أحد كبار الديمقراطيين، فإن التوتر المتصاعد دفع عشرات الأعضاء إلى المطالبة رسميًا بتفعيل التعديل، بعد شعورهم بـ”إحباط شديد” من تصريحات الرئيس، وسط ضغوط غير معلنة على القيادة لاتخاذ موقف أكثر حزمًا.
واعتبر أحد قادة التيار التقدمي أن “تصرفات ترامب في اليومين الماضيين كانت مخيفة وتعكس رأي الناخبين”، مشيرًا إلى أن الكلفة السياسية لعدم التحرك أصبحت أعلى بكثير مقارنة بالعام الماضي.
وفي السياق ذاته، دعا حاكم ولاية إلينوي، جي بي بريتزكر إلى تفعيل التعديل الدستوري “قبل فوات الأوان”، مؤكدًا أن “الأمن القومي يتطلب رحيل ترامب الآن”.
ويرى الباحث في العلوم السياسية، مصطفى السعيد أن توصيف ما يجري في الولايات المتحدة اليوم بأنه مجرد “تصعيد سياسي عابر” هو تبسيط مخل لواقع بالغ التعقيد؛ فالمشهد الحالي يعكس إرهاصات أزمة دستورية حقيقية، لا تتعلق بانهيار النصوص بقدر ما ترتبط بتآكل “الأعراف” التي حكمت واشنطن لعقود.
ويؤكد السعيد لـ”داي نيوز” أن الصدام الراهن مع الرئيس ترامب يمثل اختبارًا غير مسبوق لمرونة الدستور الأمريكي؛ فبينما يعتبر مؤيدوه أن أفعاله تقع ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية، يرى خصومه أن استخدام الأدوات الرئاسية لتقويض المؤسسات الرقابية يشكل خروجًا عن العقد التأسيسي.
هذه الفجوة في تفسير حدود السلطة—”أين تنتهي صلاحيات الرئيس وتبدأ سلطة القانون”—هي جوهر الأزمة التي دفعت النظام السياسي الأمريكي إلى ما يشبه غرفة العناية المركزة.
وفي ما يتعلق بالجدل الدائر حول تفعيل التعديل الـ25 من الدستور، يشير السعيد إلى أن هذه الدعوات تعكس مزيجًا من القلق الدستوري الحقيقي والمناورة السياسية البراغماتية.
فمن جهة، هناك تخوف داخل مؤسسات الدولة من اتخاذ قرارات مصيرية في لحظات انفعالية، ومن جهة أخرى، يستخدم الديمقراطيون هذا التعديل كـ”أداة ضغط” سياسية.
ويذكر السعيد بأن القسم الرابع من التعديل صمم ليكون “الملاذ الأخير” في حالات العجز البدني أو العقلي الواضح، لا كوسيلة للإطاحة برئيس يتبنى سياسات مثيرة للجدل.
وتحويله إلى ورقة سياسية، برأيه، قد يرتد سلبًا على من يستخدمه، لأنه يفتح الباب أمام التشكيك في شرعية العملية الديمقراطية برمتها.
وعن إمكانية ترجمة هذه الدعوات إلى خطوات عملية، يقول السعيد أن فرص نجاح تفعيل التعديل الـ25 شبه معدومة في ظل موازين القوى الحالية، مضيفًا أن العقبة الأولى تتمثل في نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يشكل حجر الأساس في هذا المسار، إذ لا يمكن البدء به دون توقيعه—وهو أمر مستبعد تمامًا بالنظر إلى ولائه السياسي والأيديولوجي لترامب.
وحتى في حال حدوث “انقلاب” داخل الجناح الغربي وموافقة أغلبية الوزراء، فإن الدستور يمنح الرئيس حق الاعتراض، مما ينقل المعركة إلى الكونجرس، حيث يتطلب الأمر أغلبية الثلثين في كلا المجلسين لعزله، وهي نسبة مستحيلة التحقيق في ظل الاستقطاب الحاد والسيطرة الجمهورية الراهنة.
وينتقل السعيد إلى تحليل ملف السياسة الخارجية، معتبرًا أن تصريحات ترامب التصعيدية تجاه طهران—خصوصًا بعد ضربات 2026—لم تعد مجرد قضايا دولية، بل تحولت إلى عامل ضغط داخلي بالغ التأثير.
ويقول السعيد إن هذه التصريحات، التي توصف أحيانًا بـ”التهور الاستراتيجي”، منحت خصومه الذريعة القانونية للحديث عن تهديد مباشر لـ”الأمن القومي”.
ويضيف السعيد أن الخطر الحقيقي على ترامب لا يأتي من الديمقراطيين وحدهم، بل من التململ داخل أروقة البنتاجون؛ فإذا شعرت القيادات العسكرية أن الرئيس يدفع البلاد نحو صراع إقليمي شامل دون استراتيجية واضحة، فقد يتحول هذا الملف إلى المحرك الأساسي لأي مسار عزل محتمل تحت بند “إساءة استخدام السلطة”.
ويرسم السعيد ملامح المرحلة المقبلة ضمن سيناريوهين رئيسيين:
الأول هو “الاستقرار الهش”، حيث تبقى الإدارة قائمة شكليًا، لكنها تعمل في بيئة مشحونة بالتحقيقات والضغوط، مما يخلق شللاً شبه كامل في عملية صنع القرار.
أما الثاني فهو “الانفجار الكبير”، الذي قد يحدث إذا أقدم الرئيس على خطوة عسكرية أحادية الجانب تدفع الكونجرس إلى اتخاذ إجراءات استثنائية.
وبغض النظر عن المسار، يرى السعيد أن الخاسر الأكبر هو “مصداقية الولايات المتحدة”؛ فالحلفاء التقليديون في أوروبا والشرق الأوسط بدأوا بالفعل في صياغة سياسات تحوطية، بعدما لم تعد واشنطن ترى كشريك يمكن التنبؤ بتصرفاته، موضحًا أن هذا التآكل في الثقة الدولية يمثل، في نظر السعيد، التحدي الأكبر الذي سيواجه أي إدارة أمريكية مقبلة، بغض النظر عن هوية الساكن في البيت الأبيض.



