تلميحات بسرقة أوبن إي آي أبحاث عالمي رياضيات.. وخبراء يوضحون

أثار إعلان شركة OpenAI عن تقديم برهان لمسألة «نافير-ستوكس» الرياضية الشهيرة جدلًا واسعًا في الأوساط العلمية، بالتزامن مع تصريحات لباحثين أشاروا فيها إلى تحقيق تقدم في مسائل تمهيدية مرتبطة بالمعادلة نفسها، ما فتح باب النقاش حول الأسبقية العلمية وحقوق الباحثين عند استخدام الذكاء الاصطناعي.
وتتعلق مسألة «نافير-ستوكس» بديناميكيات السوائل والغازات، وهي واحدة من مسائل جائزة الألفية السبع التي حددها معهد كلاي للرياضيات، وتبلغ قيمة الجائزة مليون دولار لحل كل مسألة منها.
برهان الذكاء الاصطناعي يثير الجدل
أعلنت OpenAI نجاح نظامها في تقديم برهان رياضي يتعلق بمسألة نافير-ستوكس، في إنجاز وصفته الشركة بأنه تقدم بارز في مجال الذكاء الاصطناعي والرياضيات.
إلا أن الإعلان تزامن مع جدل بشأن أعمال سابقة لباحثين، من بينهم البروفيسور تريستان باكميستر من جامعة نيويورك والباحث ليفنت ألبوغيه من شركة أنثروبيك، اللذان أعلنا تحقيق تقدم كبير في مسائل تمهيدية مرتبطة بالمعادلة نفسها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
وأثار ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت أبحاثهما قد أسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الوصول إلى النتيجة التي أعلنتها OpenAI.
خبير: قد يغيّر اقتصاد البحث العلمي
قال سيريل نجّار، مستشار أول للذكاء الاصطناعي لدى وزارة الدولة لشؤون تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي في لبنان، والرئيس التنفيذي لشركة Sensio AI، والمحاضر في جامعة كاليفورنيا بيركلي وإمبريال كوليدج لندن، إن استخدام مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي تمكن من اكتشاف آلية لم تظهر خلال نحو 90 عامًا من الجهود البشرية.
وأضاف، في تصريحات لـ«العربية.نت» و«الحدث.نت»، أن صمود البرهان أمام مراجعة الخبراء سيجعله، من وجهة نظره، من أبرز النتائج الرياضية التي أنتجها الذكاء الاصطناعي حتى الآن.
وأشار إلى أن البرهان موثق رسميًا بلغة Lean، وهو ما يمنحه مستوى من التحقق الآلي، لكنه أوضح أن هذا التحقق يضمن مطابقة البرهان للعبارة الرياضية المكتوبة، ولا يحسم وحده مدى تطابقها مع صياغة مسألة معهد كلاي.
ولفت إلى أن مجتمع الرياضيات سيحسم هذه النقطة خلال الأسابيع المقبلة، فيما لا يزال معهد كلاي يصنف مسألة نافير-ستوكس باعتبارها غير محلولة.
خلاف حول الأسبقية والفضل العلمي
يرى نجّار أن الجانب الأكثر إثارة للقلق يتمثل في الخلاف حول نسب الفضل والمشاركة في التأليف.
وأوضح أن OpenAI قالت إنها انطلقت من شائعات حول أعمال ألبوغيه وباكميستر، ونفت الاطلاع على أبحاثهما أو بيانات المستخدمين، مشيرًا إلى أنه يميل إلى تصديق هذا النفي، لكنه اعتبر أن الإعلان عن النتيجة جاء قبل اكتمال المراجعة العلمية.
وأضاف أن الخلاف كان يمكن تجنبه من خلال منح البحث العلمي الوقت الكافي للتحقق، حتى في الحالات التي يستطيع فيها الذكاء الاصطناعي إنتاج نتائج خلال فترة قصيرة.
هل يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي طرفًا في النزاع؟
حول الجهة التي يمكن أن تحسم النزاع بين الباحثين وOpenAI، أوضح نجّار أن القوانين الحالية لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره شخصًا قانونيًا.
وبالتالي، فإن النزاع القانوني لا يكون بين الباحثين والذكاء الاصطناعي نفسه، وإنما بين الباحثين والشركة التي تطور أو تشغل النظام، خصوصًا عندما يتعلق الخلاف بالأسبقية العلمية أو نسب الفضل.
وأشار إلى أن الإشكالية الأساسية تكمن في كيفية إثبات أن نظام الذكاء الاصطناعي لم يطلع على أبحاث باحثين آخرين قبل نشرها، وكيف يمكن تحديد الأسبقية عندما تعمل آلاف الوكلاء على إنتاج نتائج في وقت قصير.
الحاجة إلى قواعد جديدة للبحث العلمي
يرى نجّار أن التطورات الحالية تتطلب أدوات جديدة لضمان الشفافية، من بينها سجلات زمنية موثقة للأبحاث، وشفافية أكبر بشأن بيانات التدريب، إلى جانب آليات مستقلة للتدقيق والتحقق.
كما ميّز بين نوعين من المخاطر؛ الأول يتعلق بما وصفه بالتفلت التقني، عندما تتصرف الأنظمة خارج نطاقها المحدد، والثاني يتمثل في «التفلت المؤسسي»، المرتبط بتركز القدرة على إنتاج المعرفة والحوسبة المتقدمة لدى عدد محدود من الشركات.
تكلفة ضخمة لتشغيل وكلاء الذكاء الاصطناعي
أشار نجّار إلى أن الوصول إلى النتيجة المعلنة تطلب، بحسب تقديره، ملايين الدولارات ونحو 10 آلاف وكيل ذكاء اصطناعي يعملون بالتوازي.
ويرى أن هذا التطور قد يؤدي إلى تحول البحث العلمي إلى منافسة بين مراكز البيانات والشركات التي تمتلك قدرات حوسبة ضخمة، بما قد يضعف دور الباحث الفرد الذي يقضي سنوات في دراسة المسائل العلمية المعقدة.
وأكد أن الحل لا يتمثل في إيقاف التطور التكنولوجي، وإنما في وضع معايير تضمن التحقق المستقل قبل الإعلان عن النتائج، وفرض قدر أكبر من الشفافية بشأن ما اطلع عليه النظام، وحماية حقوق الباحثين في نسب أعمالهم ومساهماتهم العلمية.
ماذا عن براءات الاختراع؟
من جانبه، قال رولا أبي نجم، مستشار الأمن السيبراني والتحول الرقمي، في تصريحات لـ«العربية.نت» و«الحدث.نت»، إن براءات الاختراع ترتبط قانونيًا بالأشخاص الطبيعيين، وليس بأنظمة الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن استخدام الباحثين للذكاء الاصطناعي للوصول إلى حلول علمية يثير سؤالًا مهمًا حول الجهة التي تستحق نسب الفضل، وما إذا كان ينبغي أن يعود إلى الباحثين أم إلى النظام المستخدم في عملية البحث.
وأشار إلى عدم وجود قانون دولي موحد يحسم هذه الإشكالية، معتبرًا أن أحد أكبر التحديات يتمثل في تحديد كيفية إثبات دور الذكاء الاصطناعي في الوصول إلى الاختراع أو الحل العلمي.
مخاوف من تراجع ثقة الباحثين بالذكاء الاصطناعي
وحذر أبي نجم من أن مثل هذه الخلافات قد تدفع الباحثين إلى التفكير أكثر من مرة قبل مشاركة أبحاثهم وبياناتهم مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، خشية نشوء نزاعات مشابهة بشأن الأسبقية أو حقوق الملكية الفكرية.
كما انتقد ما وصفه بتسارع المنافسة بين شركات الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن هذا السباق يفرض تحديات متزايدة تتعلق بالرقابة والشفافية والمسؤولية.
وتعيد قضية برهان «نافير-ستوكس» بذلك طرح سؤال أوسع حول مستقبل البحث العلمي في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف يمكن الاستفادة من القدرات الهائلة للأنظمة الذكية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق الباحثين وقواعد الأسبقية والملكية الفكرية؟



