تشاتام هاوس: بوتين يعتمد التصعيد المحسوب وأوروبا مطالبة برؤية طويلة الأمد

يرى جريجوار روس، مدير برامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في معهد تشاتام هاوس، أن التحركات الدبلوماسية المكثفة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع استمرار التصعيد في أوكرانيا، لا تعكس بالضرورة حالة من اليأس الروسي.
وأوضح روس، في تحليل نشره تشاتام هاوس، أن موسكو تتبع استراتيجية تجمع بين الجمود الدبلوماسي والتصعيد المحسوب، معتبرًا أن هذا النهج قد يكون أكثر قوة واستمرارية مما يبدو من الخارج.
بوتين لا يبدي استعدادًا للتراجع
وأشار روس إلى لقاء المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مع بوتين في موسكو يوم 5 سبتمبر، لبحث سبل إنهاء الحرب في أوكرانيا.
ورغم وصف الكرملين للمحادثات بأنها «مفيدة للغاية»، لم تظهر مؤشرات على استعداد روسيا لتخفيف مطالبها، بحسب تحليل تشاتام هاوس. وبعد أيام، رفض الكرملين مقترحًا من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لعقد لقاء مع بوتين خلال قمة مجموعة العشرين المقررة في ميامي في ديسمبر المقبل.
وفي الوقت نفسه، استمرت الهجمات الروسية على أوكرانيا، بما في ذلك ضربة بطائرة مسيرة استهدفت بنية تحتية للسكك الحديدية قرب ياهودين في 13 سبتمبر، بعد وقت قصير من مرور قطار كان يقل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون، والمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ديفيد بترايوس، وآخرين.
وأكد روس أن وضع روسيا في الحرب لا يخلو من نقاط ضعف، في ظل الخسائر الكبيرة وبطء المكاسب الإقليمية وارتفاع تكلفتها، إلى جانب استعادة القوات الأوكرانية مواقع في بعض القطاعات.
لكنه يرى أن تفسير التصعيد الروسي باعتباره علامة على اليأس قد يكون غير دقيق، مشيرًا إلى أن بوتين يتصرف وفق اعتقاد بأن الوقت لا يزال يمنح موسكو مساحة للمناورة.
الهند وكازاخستان تحافظان على علاقاتهما مع موسكو
ولفت روس إلى أن بوتين تمكن من تجاهل دعوات من دول تربطها علاقات وثيقة بروسيا لإنهاء الحرب.
ففي يوليو، دعا رئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف، خلال وجوده إلى جانب بوتين في مدينة أومسك، إلى تجميد الصراع واستئناف المفاوضات، لكن الكرملين رفض فكرة تجميد الحرب.
وفي 31 أغسطس، دعا رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، إلى الانتقال من الحرب المستمرة إلى إنهائها.
ورغم ذلك، وصف مودي بوتين بأنه «صديقي»، وأشاد بالعلاقات الروسية الهندية، قبل أن يناقش الجانبان خلال قمة بريكس في نيودلهي هدفًا لرفع حجم التجارة الثنائية إلى 100 مليار دولار.
ويرى روس أن رغبة الهند وكازاخستان في إنهاء الحرب لا تعني استعدادهما لربط علاقاتهما مع روسيا بإنهاء الصراع.
وأشار إلى أن استمرار هذه العلاقات يوفر لموسكو مكاسب تتجاوز الدعم المرتبط بالحرب، من بينها الاندماج الاقتصادي في آسيا، والحضور الدبلوماسي، والحفاظ على دور داخل التكتلات الدولية المؤثرة.
الصين تتمسك بعلاقة استراتيجية مع روسيا
وفي السياق نفسه، يرى روس أن الصين تمثل عنصرًا مهمًا في قدرة روسيا على تجنب العزلة الدولية.
وكان الرئيس الصيني شي جين بينج قد أكد لبوتين، خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون، أن أسس العلاقات بين البلدين ستواصل التعزز.
ويشير تحليل تشاتام هاوس إلى وجود تفاوت اقتصادي كبير بين البلدين، إذ يفوق حجم الاقتصاد الصيني الاقتصاد الروسي بنحو ثمانية أضعاف، بينما تمثل الصين ما لا يقل عن 34% من التجارة الدولية لروسيا، في حين تمثل روسيا نحو 4% من تجارة الصين.
لكن روس يرى أن العلاقة بين بكين وموسكو لا يمكن قياسها من خلال التجارة وحدها، مشيرًا إلى امتلاك روسيا أسلحة نووية، ومقعدًا دائمًا في مجلس الأمن، وموارد ضخمة من الطاقة والسلع الأساسية، فضلًا عن موقع استراتيجي يمتد عبر آسيا الوسطى والقطب الشمالي.
وأضاف أن موسكو تمثل بالنسبة إلى بكين شريكًا قادرًا على تحدي أجزاء من النظام الدولي الذي تشكل بقيادة أمريكا، بينما تساهم علاقاتها مع مجموعات مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون في دعم تصور لنظام دولي أكثر تعددًا للأقطاب.
تعاون صيني مع الاقتصاد الروسي
وأشار روس إلى وثائق نشرتها مجلة «بوليتيكو» تفيد بأن شركة صينية مملوكة للدولة شحنت أليافًا كربونية تستخدم في طائرات «جيران» المسيرة الهجومية إلى شركة «ألابوجا-فولوكنو»، التابعة لمؤسسة «روس آتوم» الروسية الحكومية والخاضعة للعقوبات.
كما أشار إلى تحقيقات سابقة وثقت وجود محركات ومكونات صينية في طائرات مسيرة روسية.
وفي الوقت نفسه، شدد التحليل على أن هذه المعطيات لا تثبت أن جميع المعاملات التجارية تمت بتوجيه مباشر من الحكومة الصينية، ولا تعني وجود دعم صيني بلا حدود لروسيا.
ويرى روس أن بكين تسعى إلى الحفاظ على هامش للمناورة، لكنها في الوقت نفسه لا تبتعد عن موسكو بالقدر الذي قد توحي به لهجتها الحذرة بشأن الحرب في أوكرانيا.
أوروبا مطالبة بتغيير استراتيجيتها
ويرى روس أن استمرار التصعيد الروسي، إلى جانب تعزيز موسكو علاقاتها مع دول آسيوية، يفرض على القادة الأوروبيين إعادة النظر في الطريقة التي يتعاملون بها مع علاقات هذه الدول بروسيا.
وبحسب تحليله، فإن محاولات دفع الحكومات إلى الاختيار بين روسيا والغرب وصلت إلى حدودها، معتبرًا أن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والهند تقدم نموذجًا مختلفًا يقوم على تعزيز التعاون التجاري مع نيودلهي، بالتزامن مع تخفيف التركيز على علاقاتها مع موسكو.
وأشار إلى وجود مجالات واسعة يمكن لأوروبا من خلالها تعميق علاقاتها مع الهند وآسيا الوسطى، من خلال الاستثمارات والتكنولوجيا والوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة والشراكات في مجال المعادن الحيوية.
كما يمكن لأوروبا تطوير طرق نقل تقلل الاعتماد على روسيا، ومن بينها الممر العابر لبحر قزوين.
العقوبات على الشركات الصينية
وفي ما يتعلق بالصين، أشار روس إلى أن الاتحاد الأوروبي فرض بالفعل عقوبات على عدد متزايد من الشركات الصينية المرتبطة بالتحايل على العقوبات أو بالصناعات الدفاعية الروسية.
ويرى أن نجاح الاستراتيجية الأوروبية على المدى الطويل سيعتمد، من بين عوامل أخرى، على مدى استعداد الاتحاد لتوسيع نطاق العقوبات واستهداف سلاسل الإمداد الاستراتيجية عندما تتوافر أدلة على تورط مباشر لموردين صينيين أكبر أو مملوكين للدولة.
وبحسب روس، فإن استمرار التصعيد الروسي يعكس رهان بوتين على قدرة بلاده على تحمل الضغوط لفترة أطول من داعمي أوكرانيا، مع اعتقاده بأن علاقات روسيا الاقتصادية والدبلوماسية مع بقية العالم لا تزال كافية لامتصاص جزء من الضغوط الغربية.
ويخلص تحليل تشاتام هاوس إلى أن أوروبا تحتاج إلى التعامل مع التطورات باعتبارها مسارًا طويل الأمد، وفهم التحولات في علاقات روسيا مع الصين والهند وآسيا الوسطى، بدلًا من افتراض أن موسكو تتجه حتمًا نحو العزلة.
ويرى روس أن التعامل مع هذه التحولات يتطلب من أوروبا بناء استراتيجية طويلة الأمد تتناسب مع طبيعة المنافسة الجيوسياسية الحالية.



