بغداد وأنقرة: هل تعيد صفقة الدفاع الجوي رسم معادلات الأمن في العراق؟

كتبت: هدير البحيري
تتجه بغداد نحو تعزيز قدراتها في مجال الدفاع الجوي عبر صفقة مرتقبة مع تركيا، في خطوة تأتي في سياق سعي المؤسسة العسكرية العراقية إلى التكيف مع تصاعد استخدام الطائرات المسيرة في النزاعات الإقليمية في الشرق الأوسط.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه التهديدات العابرة للحدود وتتعقد فيه طبيعة الصراعات في المنطقة، الأمر الذي دفع العراق إلى إعادة تقييم منظومته الأمنية بهدف حماية منشآته الحيوية ومقراته الدبلوماسية.
وبحسب تصريحات عسكرية رسمية، يقترب العراق من إبرام صفقة لشراء نحو 20 منظومة دفاع جوي تركية متخصصة في التصدي للطائرات المسيرة.
ومن المتوقع أن تورد هذه المنظومات عبر شركات تابعة لوزارة الدفاع التركية، في إطار تعاون دفاعي وتقني متنامٍ بين الجانبين.
ويمثل هذا التطور تحولًا ملحوظًا في عقيدة المؤسسة العسكرية العراقية، التي ركزت لعقود على التهديدات البرية المرتبطة بالتمرد الداخلي، قبل أن تفرض الطائرات المسيرة واقعًا أمنيًا جديدًا استهدف منشآت حيوية ومواقع استراتيجية.
وقد فرض هذا النمط المستجد من التهديدات—الذي يجمع بين انخفاض الكلفة وارتفاع الأثر العملياتي—تحديًا يتمثل في اتساع الفجوة بين رخص الطائرات المهاجمة والتكلفة الباهظة لمنظومات الاعتراض التقليدية؛ الأمر الذي دفع بغداد نحو مراجعة شاملة لأولويات الدفاع الجوي والبحث عن حلول تقنية أكثر مرونة وكفاءة في استنزاف التهديد لا الميزانية.
يأتي التوجه نحو تركيا ضمن سياق أوسع لإعادة هيكلة خيارات التسليح لدى بغداد، التي اعتمدت لعقود على مزيج من الشركاء الدوليين، أبرزهم الولايات المتحدة وروسيا، إضافة إلى علاقات أمنية مع إيران.
ويمنح القرب الجغرافي بين البلدين، إلى جانب تشابك الملفات الأمنية المشتركة مثل ضبط الحدود ومكافحة التنظيمات المسلحة، بعدًا براغماتيًا لهذا التقارب المتنامي.
وعلى المستوى السياسي، يتجاوز تعزيز قدرات الدفاع الجوي البعد التقني ليعكس تحولًا أعمق في مقاربة الدولة العراقية لمعادلات الأمن الإقليمي. فبغداد تسعى من خلال هذا التوجه إلى تقليص هامش الانكشاف أمام الصراعات الإقليمية، في وقت تتداخل فيه ساحات التوتر بين قوى إقليمية ودولية فاعلة، وتنعكس تداعياتها بشكل مباشر وغير مباشر على الداخل العراقي.
داخليًا، يندرج هذا التحول ضمن نقاش أوسع حول بنية المنظومة الأمنية العراقية وتعدد مراكز القوة داخلها، بما في ذلك العلاقة الملتبسة بين الدولة والفصائل المسلحة.
وفي هذا الإطار، ينظر إلى تعزيز قدرات الدفاع الجوي بوصفه خطوة ضمن مسار أوسع يهدف إلى تقوية المؤسسة العسكرية الرسمية وإعادة ضبط التوازن داخل المشهد الأمني، في ظل استمرار الجدل حول أدوار الفاعلين المسلحين خارج إطار الدولة.
وتأتي الصفقة المحتملة ضمن مسار متدرج من التقارب بين بغداد وأنقرة، شهد خلال السنوات الأخيرة توسعًا في التعاون الأمني والاقتصادي، رغم استمرار ملفات خلافية مثل قضايا المياه والوجود العسكري التركي في شمال العراق.
ما دوافع توجه العراق نحو منظومات الدفاع الجوي التركية؟
قال الخبير الأمني والاستراتيجي العقيد محسن الشوبكي لـ”داي نيوز” إن توجه العراق نحو شراء 20 منظومة دفاع جوي تركية يمثل استجابة مباشرة وسريعة للدروس التي فرضها التصعيد الإقليمي الأخير وما رافقه من مواجهات جوية معقدة شهدتها المنطقة.
وأوضح أن التطورات الميدانية الأخيرة أظهرت أن الأجواء العراقية باتت عرضة لتهديدات غير متكافئة، تتمثل في الطائرات المسيرة والصواريخ الجوالة، وهو ما كشف عن ثغرات في منظومات الدفاع الحالية وفرض الحاجة إلى معالجتها.
وأضاف الشوبكي أن هذا التوجه يعكس محاولة لتعزيز السيادة الوطنية وحماية ما وصفه بـ”شرايين الحياة” الاقتصادية، وفي مقدمتها المنشآت النفطية والمواقع الحيوية والسيادية، بما يضمن عدم تحول الأراضي العراقية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الصراعات الإقليمية.
وأشار الشوبكي إلى أن القرار يتداخل فيه عدد من العوامل الداخلية والخارجية المتسارعة؛ فعلى المستوى الداخلي، يشكل تأمين البنى التحتية وحقول النفط أولوية مرتبطة بالأمن القومي، فضلًا عن كونه عاملًا أساسيًا في تعزيز ثقة المستثمرين الدوليين في استقرار البيئة العراقية.
أما على المستوى الخارجي، فأوضح أن التطور الملحوظ في الصناعات الدفاعية التركية وفر لبغداد خيارًا يجمع بين الكفاءة التشغيلية والتكلفة المعقولة، إضافة إلى ميزة القرب الجغرافي التي تسهل عمليات الدعم والصيانة.
وقال الشوبكي إن هذا التنسيق العسكري لا ينفصل عن الطموحات الاقتصادية الأوسع التي تجمع البلدين، وفي مقدمتها مشروع “طريق التنمية” الرامي لربط الخليج بأوروبا عبر العراق وتركيا.
وأضاف أن تأمين مسارات التجارة الدولية والزخم الاستراتيجي لهذا المشروع يتطلبان بالضرورة منظومة حماية جوية قادرة وفعالة، بما يحول التعاون بين بغداد وأنقرة إلى مظلة أمنية متكاملة تحمي المصالح الاقتصادية المشتركة وتضمن استدامة مشاريع التنمية العابرة للحدود.
وفي ما يتعلق بكواليس القرار، أوضح الشوبكي أن المؤسسة العسكرية العراقية تبدو في موقع محوري في دفع هذا التوجه، بدعم من رؤية حكومية تسعى إلى تعزيز قدرة الدولة على حماية أجوائها بعيدًا عن الاعتماد الحصري على شركاء خارجيين محددين.
وفي المقابل، تسعى تركيا عبر شركاتها الدفاعية، وبدعم رسمي من مؤسساتها، إلى تعزيز موقعها كمورد استراتيجي في سوق السلاح الإقليمي.
ولفت الشوبكي إلى أن هذا التفاعل يعكس رغبة متبادلة في بناء إطار أمني أكثر تماسكاً في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، في وقت تتابع فيه القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في العراق هذا التطور بدقة، نظرًا لما قد ينعكس به على موازين النفوذ القائمة.
واعتبر الشوبكي أن هذا التقارب العسكري يمثل تحولًا مهمًا في بنية التوازنات داخل العراق، إذ يمنح الدولة المركزية والمؤسسة العسكرية أدوات إضافية لتعزيز حضورها وتقليص الفراغات الأمنية التي كانت تستغلها جهات مسلحة خارج إطار الدولة.
كما أشار إلى أن هذا المسار يندرج ضمن سياسة تنويع مصادر التسليح، بما يمنح بغداد مساحة أوسع في إدارة علاقاتها الخارجية ويقلل من الاعتماد على طرف واحد في الملفات الأمنية الحساسة، الأمر الذي يعيد صياغة العلاقة مع كل من الولايات المتحدة وإيران في إطار أكثر توازنًا يقوم على تعزيز السيادة الوطنية.
وفي ختام حديثه، قال الشوبكي إن مستقبل هذا التعاون يرتبط بعدة سيناريوهات؛ فالاتجاه الإيجابي يتمثل في قدرة العراق على توطين المعرفة التشغيلية وبناء كوادر وطنية قادرة على إدارة هذه المنظومات، بما يعزز استقلال قراره الأمني.
في المقابل، حذر الشوبكي من أن غياب هذا التوجه قد يخلق نوعًا من التبعية التقنية الجديدة. وخلص إلى أن نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة بغداد على إدارة التوازن بين متطلبات الأمن الوطني وحساسية البيئة الإقليمية، وتحويل الصفقة من مجرد اتفاق تسليح إلى مشروع أوسع لتعزيز الاستقرار وحماية التنمية.



