تقارير

عندما يصبح النفط الإيراني رهينة: 3 سيناريوهات محتملة لتأثر روسيا بعملية أمريكية في جزيرة خرج

كتبت: هدير الصاوي

في ظل التصعيد العسكري المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، برزت جزيرة خرج كهدف استراتيجي رئيسي لواشنطن، حيث تُصدر إيران عبر هذه الجزيرة ما يقرب من 90% من صادراتها النفطية. في هذا السياق، تبرز روسيا كلاعب رئيسي يتأثر بشكل غير مباشر ولكن عميق بهذا الصراع، حيث تجمعها علاقات معقدة مع أطراف النزاع ومصالح اقتصادية وجيوسياسية متشابكة.

وفي ظل تصريحات الخارجية الروسية الأخيرة، التي استنكرت التحضير لعملية في جزيرة خرج الإيرانية. بل وأفادت بأنها تأمل أن تكون مجرد تصريحات عابرة. فذلك يضعنا أمام سؤال حول التأثيرات المتعددة التي ستطال روسيا في حال تمكنت الولايات المتحدة من السيطرة على جزيرة خرج، سواء عبر عملية إنزال بحري أو جوي، وذلك من خلال استعراض السيناريوهات المحتملة لتداعي الأحداث وانعكاساتها على الاقتصاد الروسي، ومكانتها الدولية، وعلاقاتها الإقليمية.

أولاً: الأهمية الاستراتيجية لجزيرة خرج

تُعد جزيرة خرج، الواقعة على بعد حوالي 25 كيلومتراً قبالة الساحل الجنوبي لإيران، “جوهرة تاج” لصناعة النفط الإيرانية . بمساحة لا تتجاوز 20 كيلومتراً مربعاً، تضم الجزيرة بنية تحتية ضخمة من خطوط الأنابيب وصهاريج التخزين ومحطات التحميل التي يمكنها استقبال أكبر ناقلات النفط الخام في العالم بفضل مياهها العميقة. وتكمن أهمية الجزيرة في أنها الشريان الرئيسي الذي يربط الاقتصاد الإيراني بالاقتصاد العالمي، وأي تهديد لها يُعد بمثابة تهديد مباشر للعصب الحيوي للنظام في طهران.

ثانياً: التأثيرات المباشرة على الاقتصاد الروسي

  1. طفرة في الإيرادات النفطية

يمثل ارتفاع أسعار النفط الخام الفائدة المباشرة والأكثر وضوحاً لروسيا في ظل أي تصعيد عسكري في منطقة الخليج العربي. وفقاً للتقارير، أدى الصراع الحالي حول إيران وإغلاق مضيق هرمز فعلياً إلى قفزة كبيرة في الأسعار، حيث تجاوز سعر خام برنت حاجز 110 دولارات للبرميل، ووصل سعر خام الأورال الروسي إلى 106 دولارات للبرميل. وبما أن الموازنة الروسية الاتحادية لعام 2026 صُممت على أساس سعر نفطي يبلغ 59 دولاراً فقط للبرميل، فإن هذا الارتفاع الحاد يُمثل فائضاً غير متوقع في الإيرادات.

يقدر الخبراء أن استمرار أسعار النفط في نطاق 90-100 دولار للبرميل يمكن أن يحقق للموازنة الروسية إيرادات إضافية تتراوح بين 2.5 و3.5 تريليون روبل (حوالي 29.6 إلى 41.5 مليار دولار أمريكي). وفي حال استمر إغلاق مضيق هرمز، يتوقع محللون أن ترتفع الإيرادات النفطية والغازية الشهرية لروسيا من 400 مليار روبل إلى أكثر من تريليون روبل شهرياً. هذا التدفق النقدي الإضافي يشكل دعماً كبيراً للموازنة الروسية، ويساهم في تغطية العجز وتمويل النفقات العسكرية والاجتماعية.

  1. تعزيز قيمة الروبل

يساهم ارتفاع أسعار النفط وتدفق العملات الصعبة إلى روسيا في تعزيز سعر صرف الروبل مقابل الدولار. وقد شهدنا بالفعل انخفاضاً في قيمة الروبل بنسبة 10% منذ بداية مارس 2026، مما يزيد من عائدات المصدرين بالعملة المحلية ويعزز القاعدة الضريبية . من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في حالة استمرار التوترات، مما يمنح البنك المركزي الروسي مساحة أكبر في سياساته النقدية.

  1. وضعية “المستفيد الأكبر”

يصف المحللون روسيا بأنها “الرابح الأكبر” من الفوضى القائمة، حيث تدير موسكو استخلاص فوائد اقتصادية كبيرة من زعزعة الاستقرار في منطقة الخليج. في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة محلياً، تجد روسيا نفسها في موقع يسمح لها بتعزيز إيراداتها الحيوية دون الحاجة إلى القيام بأي تحركات عسكرية مباشرة.

ثالثاً: التأثيرات الجيوسياسية والاستراتيجية

  1. تعزيز مكانة روسيا كمصدر بديل للصين

يشكل هذا الجانب واحداً من أهم المكاسب الاستراتيجية لروسيا على المدى الطويل. تصدر إيران نحو 75% من نفطها إلى الصين، التي تعتبر أكبر مستورد للنفط في العالم . في حال سيطرة الولايات المتحدة على جزيرة خارك وبالتالي التحكم في صادرات النفط الإيرانية، ستجد بكين نفسها أمام خيارات محدودة للحصول على احتياجاتها النفطية بعيداً عن النفوذ الأمريكي.

هنا يبرز الدور الروسي كمورد استراتيجي موثوق للصين. فبعد أن أصبحت فنزويلا، المورد الرئيسي الآخر للصين، تحت تأثير العقوبات والضغوط الأمريكية، تبقى روسيا أكبر مصدر للنفط إلى الصين غير الخاضع للسيطرة الأمريكية. هذا الواقع يمنح موسكو ورقة ضغط مهمة في علاقاتها مع بكين ويعزز من محور التعاون الاستراتيجي بينهما، خاصة في ظل التحديات المشتركة التي تواجهها من الغرب.

  1. تخفيف الضغط الغربي على أوكرانيا

يشير مراقبون إلى أن تركيز الولايات المتحدة وحلفائها على الصراع في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى تحول ملحوظ في الاهتمام الدولي والموارد العسكرية بعيداً عن الجبهة الأوكرانية. ففي غضون ثلاثة أسابيع فقط من التصعيد، أطلقت الولايات المتحدة صواريخ “باتريوت” بمعدل يزيد مرة ونصف عن إجمالي ما قدمته لأوكرانيا في السنوات الأربع الماضية. هذا الاستنزاف للمخزونات الأمريكية الحيوية، إلى جانب انشغال القيادة الغربية بأزمة الشرق الأوسط، يخفف الضغط العسكري والسياسي على روسيا في أوكرانيا.

  1. تفكيك محور المقاومة

يمثل الصراع الحالي تهديداً مباشراً لحلفاء إيران في المنطقة، وفي مقدمتهم “حزب الله” اللبناني. تشير التقارير إلى أن إسرائيل تشن ضربات عنيفة على الضاحية الجنوبية لبيروت وتنشر المزيد من القوات لمواجهة “حزب الله”، مع تحذيرات من توسيع نطاق العمليات. أي ضعف أو تراجع لهذه القوى الإقليمية يُترجم استراتيجياً لصالح روسيا التي تتنافس معها في عدة ملفات إقليمية، خاصة في سوريا.

  1. اختبار لأنظمة الدفاع الجوي

يشكل الصراع في الشرق الأوسط بيئة اختبار حقيقية لأنظمة الدفاع الجوي الروسية الصنع، والتي تشكل جزءاً مهماً من التسليح الإيراني. عمليات التصدي للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية تقدم للخبراء العسكريين الروس معلومات قيمة حول قدرات أنظمتهم في ظل ظروف قتالية فعلية، مما يسمح بتطويرها وتعزيز قدراتها التسويقية.

رابعاً: سيناريوهات تداعي الأحداث

بناءً على التحليلات العسكرية والسياسية المتاحة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتطور الأحداث في حال قيام الولايات المتحدة بعملية عسكرية للسيطرة على جزيرة خرج:

  1. عملية محدودة للسيطرة على الجزيرة

بتنفيذ عملية إنزال جوي أو بحري محدودة تستهدف الاستيلاء على جزيرة خرج، بالاعتماد على وحدات النخبة مثل لواء الاستجابة السريع من الفرقة 82 المحمولة جواً (حوالي 3000 جندي) وبالتعاون مع وحدات مشاة البحرية (المارينز).

ويحمل هذا السيناريو عدة تداعيات متوقعة. فعلى جانب المكاسب الأمريكية، يأتي حرمان إيران من مصدر رئيسي للإيرادات، واكتساب ورقة ضغط قوية لإعادة فتح مضيق هرمز.

وعلى الصعيد الروسي فيقع ذلك بشكل ما في مصلحة الدب الروسي، فاستمرار ارتفاع أسعار النفط عند مستويات مرتفعة (قد تصل إلى 150 دولاراً للبرميل في حال التصعيد)، يدر على روسيا إيرادات إضافية هائلة.

كما تتجلى المخاطر في تهديد إيران بتدمير منشآت النفط في جميع الدول المشاركة، مما قد يؤدي إلى توسع رقعة الصراع. كما أن بقاء القوات الأمريكية في الجزيرة يجعلها هدفاً سهلاً للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية القصيرة المدى.

  1. رد إيراني واسع النطاق

في حال شنت الولايات المتحدة هجوماً على خرج، قد ترد إيران بتصعيد غير مسبوق، يشمل استهداف منشآت النفط والغاز في دول الخليج العربية، واستخدام صواريخها المضادة للسفن من الجيل الجديد لاستهداف الناقلات في الخليج وخارجه .

وتتمثل لتداعيات المتوقعة لهذا السيناريو في التأثيرات الروسية ارتفاع قياسي للأسعار. قد تقفز أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 200 دولار للبرميل، مما يضاعف الإيرادات الروسية بشكل غير مسبوق. كذلك يخلق فراغ في سوق الغاز. فتوقف شحنات الغاز الطبيعي المسال من المنطقة يزيد من اعتماد أوروبا والعالم على الغاز الروسي.

ويزيد من التعقيدات اللوجستية العالمية. من حيث ارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري قد يؤثر على سلاسل التوريد العالمية، بما فيها واردات روسيا من السلع الاستهلاكية والتكنولوجية.

 

وتجرالاقتصاد العالمي في موجة تضخمية حادة قد تؤدي إلى ركود عالمي، وهو ما سينعكس سلباً على الطلب على النفط على المدى المتوسط، وبالتالي على الإيرادات الروسية.

  1. حرب استنزاف طويلة الأمد

قد يتحول الصراع إلى مواجهة طويلة الأمد، مع عدم قدرة أي من الطرفين على تحقيق نصر حاسم، وتصاعد العمليات غير المباشرة مثل الهجمات السيبرانية وعمليات التخريب ضد البنية التحتية للطاقة في المنطقة بأسرها.

نشوء حرب طويلة الأمد يضع التأثيرات على روسيا في حالة الموازنة والاستقرار النسبي. حيث يخلق ذلك بقاء واستقرار نسبي للأسعار في نطاق 80-120 دولاراً للبرميل، وهو نطاق مثالي للموازنة الروسية.

  يمكن لروسيا استغلال علاقاتها مع جميع أطراف النزاع لتقديم نفسها كوسيط محايد، مما يعزز مكانتها الدولية. كما أن تمدد الأزمة قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية تؤثر على القطاعات الصناعية في روسيا، خاصة قطاع أشباه الموصلات الذي يعتمد على واردات الهيليوم والغاز الطبيعي المسال من المنطقة.
استمرار حالة عدم اليقين العالمية قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، مما يقلل الطلب على الطاقة على المدى الطويل.

خامساً: تقييم المخاطر والتحديات التي تواجه السيناريو الأمريكي

على الرغم من الجدوى العسكرية المحتملة للسيطرة على جزيرة خرج، تواجه الولايات المتحدة مخاطر كبيرة قد تحد من قدرتها على تنفيذ هذه العملية أو تحول دون نجاحها الاستراتيجي، مما يؤثر بدوره على حجم التأثيرات على روسيا:

  1. المخاطر الجغرافية واللوجستية

تقع جزيرة خرج على بعد 15 ميلاً فقط من الساحل الإيراني، مما يجعل أي قوة أمريكية تحط عليها تحت مرمى نيران الصواريخ الإيرانية قصيرة ومتوسطة المدى، بالإضافة إلى الطائرات المسيرة الانتحارية والزوارق السريعة . وصف أحد الخبراء العسكريين القوات الأمريكية في الجزيرة بأنها ستكون “بطاً جالساً” تنتظر الضربات الإيرانية.

  1. سياسة “الأرض المحروقة”

حذر خبراء من أن إيران قد تلجأ إلى تدمير البنية التحتية النفطية في الجزيرة نفسها قبل سقوطها بيد القوات الأمريكية، مما يحول دون تحقيق واشنطن هدفها في السيطرة على هذه الأصول . هذا السيناريو سيجعل العملية العسكرية بلا جدوى اقتصادية ويزيد من الخسائر البشرية والمادية دون مقابل استراتيجي.

  1. القدرة على التحمل الإيرانية

أظهرت إيران قدرة عالية على التحمل خلال العقود الماضية في مواجهة العقوبات والضغوط. ويشير محللون إلى أن النظام في طهران مستعد “لاحتمال الكثير من الألم” دون الانهيار، مما يعني أن السيطرة على خارك وحدها قد لا تكون كافية لدفع إيران إلى تغيير سلوكها أو انهيار نظامها .

  1. الانعكاسات الداخلية في الولايات المتحدة

تواجه الإدارة الأمريكية معارضة داخلية متنامية لأي عملية برية. أظهر استطلاع للرأي أن 55% من الأمريكيين لا يدعمون نشر قوات برية في إيران، بينما يدعم 7% فقط عملية واسعة النطاق. هذا الانقسام الداخلي يحد من هامش المناورة للرئيس ترامب ويزيد من التكاليف السياسية لأي تصعيد.

تمثل السيطرة الأمريكية المحتملة على جزيرة خرج منعطفاً حاسماً في الصراع القائم، حيث تحمل في طياتها تداعيات متناقضة على روسيا. فبينما تحقق موسكو مكاسب اقتصادية فورية وملموسة من ارتفاع أسعار النفط وتخفيف الضغط الغربي في أوكرانيا، تواجه في المقابل تحديات استراتيجية طويلة الأمد تتعلق بتحول ميزان القوى في منطقة الخليج لصالح الولايات المتحدة واحتمال فقدان حليف مهم هو إيران.

في المحصلة، تبدو روسيا في موقع يسمح لها بتحقيق أقصى استفادة من الأزمة الحالية دون دفع ثمن عسكري أو سياسي كبير في الأجل القصير. فهي تجني فوائد اقتصادية كبيرة وتعزز مكانتها الاستراتيجية لدى الصين، في وقت تنشغل فيه القوى الغربية بصراع جديد في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن أي تصعيد كبير قد يؤدي إلى حرب إقليمية شاملة سيكون له تداعيات لا يمكن التنبؤ بها على الاقتصاد والاستقرار العالمي، وهو ما قد ينعكس سلباً في نهاية المطاف على المصالح الروسية. لذلك، من المتوقع أن تواصل روسيا سياسة المراقبة الحذرة والاستفادة من الفرص المتاحة، مع الاحتفاظ بقدرتها على لعب دور الوسيط المحتمل إذا ما سنحت الظروف المناسبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى