تقارير

الصين تقترب من كسر الهيمنة الأمريكية على الفضاء.. هل يتغير ميزان القوة؟

يتسارع تقدم الصين في صناعة الفضاء، مع نجاح شركة «لاند سبيس» في إطلاق صاروخ إلى الفضاء وإعادته إلى الأرض في أغسطس الماضي، في خطوة تمهد لتوسيع قدرات بكين الفضائية وتعزز المنافسة مع الولايات المتحدة، التي تتصدر هذا المجال عالميًا.

وفي تحليل مشترك نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، ترى الباحثتان كاتلين كورلي وسام بريسنك أن تطور الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام قد يمنح قطاع الفضاء الصيني دفعة كبيرة، بما يحمل تداعيات اقتصادية وعسكرية على مكانة واشنطن وقدرتها على الحفاظ على تفوقها.

الصين تقلص الفجوة مع أمريكا

على الرغم من استمرار تقدم الولايات المتحدة في مجال الفضاء، فإن الصين تعمل على تقليص الفجوة بوتيرة متسارعة. فبين عامي 2020 و2025، ارتفع عدد الصواريخ التي أطلقتها الشركات الصينية سنويًا من 39 إلى 92 صاروخًا، أي أكثر من الضعف.

وتشهد الصين أيضًا نموًا في عدد شركات الفضاء التجارية، التي يسعى بعضها إلى تطوير تقنيات مبتكرة وخفض تكاليف الإطلاق. كما تقدمت جهات صينية بطلبات للحصول على تراخيص لإطلاق أعداد ضخمة من أقمار الاتصالات الصناعية.

وبحسب التحليل، قد تمنح هذه التطورات الشركات الصينية فرصًا لمنافسة نظيراتها الأمريكية في سوق الخدمات الفضائية، خاصة الإنترنت المعتمد على الأقمار الصناعية.

منافسة مرتقبة لشبكة «ستارلينك»

تسعى الصين إلى تطوير شبكات اتصالات فضائية تنافس شبكة «ستارلينك» الأمريكية، التي تهيمن على سوق الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، واستفادت منها أوكرانيا في دعم اتصالاتها خلال الحرب مع روسيا.

وفي هذا الإطار، تخطط الجهات المشغلة لمجموعتي الأقمار الصناعية الصينيتين «جوووانج» و«تشيانجان» لإطلاق نحو 30 ألف قمر اتصالات خلال العقد المقبل، وفقًا للتقرير.

ولا تزال الشركات الصينية في مراحل مبكرة من تطوير بعض هذه التقنيات، لكن التوسع في استخدام الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام قد يساعدها على زيادة وتيرة الإطلاق وخفض تكلفته، بما يعزز قدرتها على المنافسة في السوق العالمية.

ومن شأن نجاح هذه الخطط أن يغير خريطة المنافسة في قطاع الاتصالات الفضائية، الذي يمثل أحد المجالات الرئيسية للتنافس التكنولوجي والاقتصادي بين واشنطن وبكين.

قدرات فضائية متنامية تعزز القوة العسكرية الصينية

لا يقتصر التقدم الصيني على الجانب التجاري، بل يمتد إلى الاستخدامات العسكرية والأمنية. فالجيش الصيني يعتبر التفوق الفضائي عنصرًا مهمًا في الحروب الحديثة، ويعمل على تطوير قدرات للاستطلاع والمراقبة والاتصالات والملاحة، إلى جانب أسلحة يمكنها استهداف الأقمار الصناعية.

ووفقًا لوزارة الدفاع الأمريكية، تدير الصين أكثر من 500 قمر صناعي قادرة على تنفيذ مهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، فضلًا عن دعم أنظمة تحديد المواقع والملاحة.

وتعتمد القوات الأمريكية بدورها على الأقمار الصناعية في الاتصالات وتحديد المواقع وتنسيق العمليات العسكرية وتنفيذ الضربات الدقيقة، إضافة إلى الإنذار المبكر من الصواريخ. ولذلك، فإن تطور القدرات الفضائية الصينية قد يزيد الضغوط على المنظومة العسكرية الأمريكية.

ويشير التحليل إلى أن بكين أمضت سنوات في دراسة كيفية استخدام الجيش الأمريكي للأقمار الصناعية، وتسعى حاليًا إلى بناء قدراتها الخاصة لدعم أمنها القومي وتحديث قواتها المسلحة.

تداعيات على الأمن الدولي

تجاوز تأثير المنافسة الفضائية حدود الولايات المتحدة والصين، إذ يشير التحليل إلى أن شركات صينية قدمت صورًا فضائية لساحات القتال خلال الحرب الروسية الأوكرانية، كما أورد أن جهات صينية زودت إيران بصور للأقمار الصناعية لقواعد أمريكية في الشرق الأوسط، من بينها قاعدة في الأردن تعرضت لهجوم إيراني في يوليو الماضي، وأسفر عن مقتل ثلاثة عسكريين أمريكيين.

وقد يؤدي توسع قطاع الفضاء التجاري الصيني إلى إتاحة خدمات الاستطلاع والتصوير الفضائي أمام دول وجهات لا تمتلك برامج فضائية متطورة، ما قد يغير قدراتها على جمع المعلومات وتحديد الأهداف.

ويرى معدّا التحليل أن هذه التطورات قد تزيد احتمالات تحول الفضاء إلى ساحة للصراع في النزاعات المستقبلية، في ظل اعتماد الجيوش الحديثة بصورة متزايدة على الأقمار الصناعية.

اعتماد أمريكا على «سبيس إكس» يثير مخاوف

على الرغم من تصدر الولايات المتحدة سوق إطلاق الصواريخ الفضائية بفضل شركة «سبيس إكس» المملوكة لإيلون ماسك، فإن الاعتماد الكبير على شركة واحدة يثير مخاوف تتعلق باستمرارية عمليات الإطلاق.

ففي حال تعرض البنية التحتية للشركة لعطل أو ضرر، قد تتأثر قدرة الولايات المتحدة على إرسال أقمار صناعية جديدة إلى المدار، وهو ما قد ينعكس على خدمات الاتصالات والملاحة والمهام العسكرية.

وبناءً على ذلك، يدعو التحليل واشنطن إلى تعزيز المنافسة داخل قطاع الإطلاق الفضائي الأمريكي، وتوسيع قاعدة الشركات القادرة على تنفيذ المهمات، بما يقلل مخاطر الاعتماد على مزود واحد.

مرحلة جديدة في سباق الفضاء

يرى التحليل أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على التعامل مع تفوقها الفضائي باعتباره أمرًا مضمونًا، في ظل تسارع الابتكار الصيني واتساع طموحات بكين التجارية والعسكرية.

وتجمع المنافسة الجديدة بين خفض تكاليف الإطلاق، وتوسيع شبكات الأقمار الصناعية، وتطوير تقنيات الاتصالات والاستطلاع، إلى جانب ضمان استمرارية البنية التحتية الفضائية.

وبينما لا تزال الولايات المتحدة تمتلك مزايا مهمة في هذا المجال، فإن صعود الصين يفرض تحديات جديدة على شركات الفضاء الأمريكية وصناع القرار في واشنطن، ويفتح مرحلة أكثر تنافسية في مستقبل الفضاء العالمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى