اقتصاد وتكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل صناعة الدراما.. مسلسل كامل بألف دولار ونجوم بلا وجود حقيقي

تتسارع ثورة الذكاء الاصطناعي في صناعة الترفيه، مع ظهور مسلسلات وأفلام يمكن إنتاجها خلال أيام وبتكاليف لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات، دون الحاجة إلى استديوهات تصوير أو ممثلين أمام الكاميرا.

وبينما تحقق بعض هذه الأعمال ملايين المشاهدات، تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الممثلين والعاملين في صناعة الدراما، فضلًا عن التحديات القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام الوجوه والأصوات رقميًا.

أعمال بملايين المشاهدات وتكاليف محدودة

من أبرز الأمثلة فيلم «وحش الأم»، الذي تدور أحداثه حول فتاة شابة تنجب تنينًا، وحقق نحو 50 مليون مشاهدة لنسخته الأصلية على يوتيوب خلال أسبوع واحد، بينما اقتربت مشاهدات المقاطع المعاد نشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي من مليار مشاهدة، وفق تقديرات الشركة المنتجة «زيتومايت».

واستغرق إنتاج الفيلم أقل من 72 ساعة، بتكلفة لم تتجاوز ألفي دولار، في نموذج يعكس قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي على تقليص الوقت والتكاليف مقارنة بأساليب الإنتاج التقليدية.

وتتصدر الصين موجة انتشار ما يُعرف بـ«الميكرودراما»، وهي مسلسلات قصيرة تتكون من حلقات لا تتجاوز مدة الواحدة منها بضع دقائق، وتُصمم خصيصًا للمشاهدة عبر الهواتف المحمولة.

وخلال الربع الأول من عام 2026، طُرح نحو 128 ألف مسلسل من هذا النوع في السوق الصينية، كان 95% منها مولدًا بالذكاء الاصطناعي، وفق بيانات نقلتها «بلومبرغ» عن إذاعة الصين الوطنية.

وتقدّر تكلفة إنتاج دقيقة واحدة من هذه الأعمال بنحو 30 دولارًا، ما يعني أن مسلسلًا مدته 50 دقيقة قد يكلف نحو 1500 دولار، ويستغرق إنتاجه قرابة أسبوع، مقارنة بشهر تقريبًا لإنتاج مسلسل قصير بالأساليب التقليدية.

سوق بمليارات الدولارات

لا تقتصر أهمية هذه الصناعة على انخفاض تكاليف الإنتاج، بل تمتد إلى فرص تحقيق الإيرادات من الإعلانات، وتقاسم العوائد مع المنصات، والاشتراكات، وبيع الحلقات للمشاهدين، وترخيص الأعمال لخدمات العرض المختلفة.

وتشير تقديرات نقلتها صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» عن شركة «داتا آي» لأبحاث السوق إلى أن قيمة سوق المسلسلات القصيرة المولدة بالذكاء الاصطناعي في الصين قد تصل إلى 40 مليار يوان، بما يعادل نحو 5.9 مليار دولار، خلال عام 2026.

لكن انخفاض التكلفة لا يضمن النجاح؛ إذ شهدت منصة «دوين»، النسخة الصينية من «تيك توك»، إطلاق 221.9 ألف عمل جديد مولد بالذكاء الاصطناعي خلال النصف الأول من العام، ولم يتجاوز عدد الأعمال التي حققت 100 مليون مشاهدة 1055 عملًا فقط، وفق بيانات نقلتها «رويترز» عن «داتا آي».

وتكشف هذه الأرقام عن منافسة شديدة داخل السوق، حيث تنجح نسبة محدودة من الإنتاجات في الوصول إلى جمهور واسع رغم سهولة إنتاجها.

من المسلسلات القصيرة إلى التلفزيون والسينما

بدأ الذكاء الاصطناعي ينتقل من المقاطع القصيرة إلى الأعمال التلفزيونية والسينمائية الطويلة. ففي 31 أغسطس، عُرض في الصين مسلسل «The Later Journey to the West»، الذي وُصف بأنه أول مسلسل تلفزيوني طويل يُنتج بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي. وأعقب ذلك ارتفاع سهم شركة «مانغو إكسلنت ميديا» بنسبة 64%، بحسب «بلومبرغ».

وفي السينما، حصل فيلم الخيال العلمي «Sanxingdui: Future Memories»، الذي تبلغ مدته 90 دقيقة، على ترخيص للعرض في دور السينما، ليصبح أول فيلم مولد بالذكاء الاصطناعي من إنتاج استديو صيني كبير يحصل على هذه الموافقة، وفق «رويترز».

وبالتوازي مع إنتاج أعمال كاملة بهذه التقنيات، تتوسع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في صناعة الأفلام التقليدية، سواء لإضافة المؤثرات البصرية، أو تغيير أعمار الممثلين رقميًا، أو تعديل الصور والأصوات، أو تنفيذ مراحل أخرى من الإنتاج.

وفي العالم العربي، أطلقت جمعية الثقافة والفنون في جدة مبادرة «أفلام الذكاء الاصطناعي»، بهدف تمكين المبدعين من توظيف الأدوات الحديثة في إنتاج أعمال سينمائية مبتكرة، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. كما ظهرت تجارب محلية، من بينها الفيلم القصير «مزنة»، الذي تتصدره شخصية افتراضية مولدة بالذكاء الاصطناعي.

نجوم افتراضيون يجذبون مئات الآلاف

لم يعد الذكاء الاصطناعي يقتصر على إنتاج القصص والشخصيات، بل أصبح قادرًا على صناعة نجوم افتراضيين يمتلكون حضورًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي.

ومن بين هذه الشخصيات «لوكا كاستيلانو»، بطل مسلسل «عروس في عالم المافيا»، الذي اكتسب شهرة رغم أنه غير موجود في الواقع.

وفي الصين، جذبت الشخصية الافتراضية «فانغ تاوزي»، بطلة مسلسل «The Laid-off Girl»، نحو 400 ألف متابع على منصات التواصل الاجتماعي الصينية، حيث تنشر محتوى يحاكي تفاصيل حياتها اليومية. ووصل تأثيرها إلى تقليد بعض النساء تسريحة شعرها ومكياجها.

ومع تطور جودة الأعمال المولدة بالذكاء الاصطناعي، أصبحت الشخصيات الرقمية أكثر واقعية مقارنة بالتجارب الأولى التي اتسمت بضعف الجودة وظهور شخصيات غريبة، مثل الحيوانات والفواكه ذات الصفات البشرية.

ويثير هذا التطور مخاوف العاملين في المجال الفني من تراجع الطلب على الممثلين الحقيقيين، مع إمكانية إنتاج شخصيات افتراضية أقل تكلفة وقادرة على الظهور في عدد كبير من الأعمال.

وظائف فنية مهددة

قد تمتد الآثار الاقتصادية لهذه التكنولوجيا إلى قطاعات واسعة مرتبطة بصناعة الدراما، بما يشمل التمثيل والتصوير والإخراج والمونتاج والمؤثرات البصرية وغيرها من المهن المساندة.

ووفقًا لما نقلته صحيفة «فايننشال تايمز»، يواجه نحو 690 ألف شخص يعملون في صناعة المسلسلات القصيرة بالصين مخاطر تتعلق بمستقبل وظائفهم مع انتشار الإنتاج المعتمد على الذكاء الاصطناعي.

ورغم هذه المخاوف، تسعى مدن صينية عدة إلى تحويل إنتاج الفيديو بالذكاء الاصطناعي إلى صناعة متكاملة، من خلال تقديم الدعم المالي، وتوفير قدرات الحوسبة، وإنشاء تجمعات متخصصة لاستقطاب الشركات الناشئة وصناع المحتوى.

كما يُتوقع أن يساعد انتشار هذه الأدوات في تسويق الأعمال الصينية خارج حدود البلاد، على غرار صناعات أخرى بدأت محليًا ثم توسعت عالميًا. وأسهم تطوير أدوات متقدمة، مثل نموذج «سيدانس 2.0» التابع لمجموعة «بايت دانس»، في تسريع هذا الاتجاه.

وفي الولايات المتحدة، دفعت المخاوف المتعلقة باستبدال الممثلين بالشخصيات الرقمية نقابة «SAG-AFTRA» إلى فرض قيود على استخدام هذه التقنيات، وإلزام المنتجين بالتفاوض بشأن استخدامها في الأعمال الفنية.

ممثلون يؤجرون ملامحهم ونسخهم الرقمية

في المقابل، يحاول بعض الممثلين الاستفادة من التكنولوجيا الجديدة عبر ترخيص صورهم وملامحهم لاستخدامها في أعمال رقمية، بدلًا من اعتبارها تهديدًا لمستقبلهم المهني.

وفي يوليو، سمحت الممثلة التايوانية جوي وونغ، البالغة 59 عامًا، باستخدام صور من فترة شبابها في مقطع ترويجي مولد بالذكاء الاصطناعي مدته 87 ثانية، لصالح شركة الألعاب «نت إيز»، ضمن سلسلة الألعاب الإلكترونية «تيانشيا». وكانت وونغ قد اعتزلت التمثيل عام 2004.

كما أعلن الممثل من هونغ كونغ لورانس نغ، البالغ 62 عامًا، ترخيص ملامحه التي تعود إلى فترة العشرينيات من عمره لاستخدامها في إنتاج فيلم بالذكاء الاصطناعي، بحسب صحيفة «تشاينا ديلي».

ولا يتوقف الأمر عند استعادة الممثلين لشبابهم رقميًا، بل يمتد إلى إعادة إحياء فنانين راحلين. إذ من المقرر ظهور الممثل الأمريكي فال كيلمر في فيلم «As Deep as the Grave» من خلال نسخة رقمية مولدة بالذكاء الاصطناعي.

وكان كيلمر قد وافق على المشاركة في الفيلم قبل وفاته عام 2025، لكنه لم يتمكن من تصوير أي مشهد، لذلك أعاد صناع العمل إنشاء صورته وصوته رقميًا بموافقة عائلته وورثته، وفقًا لمجلة «فارييتي».

وتثير هذه الممارسات تساؤلات حول حقوق الممثلين وعائلاتهم، وحدود استخدام الصور والأصوات بعد الوفاة، ومدى ضرورة الحصول على موافقة واضحة قبل إنشاء نسخ رقمية من الأشخاص.

«تأجير الوجوه».. سوق جديدة في الصين

امتدت فكرة ترخيص الملامح إلى الأشخاص العاديين، مع ظهور منصات صينية تتيح للأفراد تأجير وجوههم رقميًا لشركات الإنتاج مقابل مبالغ مالية، مع إمكانية تحديد أنواع الأعمال التي يُسمح باستخدام نسخهم الافتراضية فيها.

وتتراوح أسعار استئجار الوجوه بين 7 دولارات و15 ألف دولار، بحسب صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، وفقًا لمدى ملاءمة الملامح واحتياجات الإنتاج.

ويتيح هذا النموذج لشركات الإنتاج البحث عن وجوه تناسب شخصيات أعمالها بناءً على العمر والجنس والملامح وغيرها من الخصائص، بينما يرى بعض المشاركين أن الترخيص يمنحهم مقابلًا ماليًا ودرجة من التحكم في استخدام صورهم، بدلًا من احتمال استغلالها دون إذن.

وتأتي هذه السوق في ظل تصاعد النزاعات بشأن استخدام صور أشخاص حقيقيين في أعمال مولدة بالذكاء الاصطناعي دون موافقتهم، بعدما اتهم مدونون وعارضون صينيون أحد المسلسلات باستخدام شخصيات رقمية تشبههم.

هل يتقبل الجمهور الدراما المولدة بالذكاء الاصطناعي؟

رغم الانتشار المتزايد لهذه الأعمال، لا يزال الجمهور منقسمًا بشأن قبولها. ففي الولايات المتحدة، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «أنغوس ريد يو إس إيه» أن 39% فقط من المشاركين مستعدون لمشاهدة فيلم أو مسلسل مصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ52% عندما يشارك البشر في إنتاجه.

وتشير النتائج إلى وجود اهتمام أكبر بالأعمال التي تجمع بين التكنولوجيا والإبداع البشري، بدلًا من الاعتماد الكامل على الخوارزميات.

أما في الهند، فقد أظهرت دراسة أجرتها «أورماكس ميديا» بالتعاون مع «ميتا» أن 47% من مشاهدي المسلسلات القصيرة يرون أن الأعمال المولدة بالذكاء الاصطناعي مبتكرة وفريدة، بينما قال 6% فقط إنهم سيتجنبون مشاهدتها تمامًا.

وفي المقابل، يرى منتقدون أن بعض الأعمال المولدة آليًا تفتقر إلى الأصالة، وتعتمد على أفكار متشابهة ورسوم محدودة الجودة. واستشهد تقرير «رويترز» بالنجاح المفاجئ للفيلم الصيني «Niu Lai»، المنتج بالأساليب التقليدية رغم بساطة رسومه المتحركة، باعتباره مثالًا على استمرار جاذبية الإنتاج البشري.

ولا تزال التكنولوجيا تواجه تحديات فنية، أبرزها صعوبة الحفاظ على ثبات ملامح الشخصيات وحركاتها والخلفيات من مشهد إلى آخر، فضلًا عن القضايا القانونية المتعلقة بحقوق الملكية والموافقة على استخدام الوجوه والأصوات.

وبين انخفاض التكاليف وسرعة الإنتاج، من جهة، والمخاوف المتعلقة بالوظائف والأصالة والحقوق، من جهة أخرى، تتجه صناعة الدراما نحو مرحلة جديدة قد يصبح فيها الذكاء الاصطناعي شريكًا أساسيًا في الإنتاج، فيما يبقى التحدي الأهم هو تحديد المساحة التي سيحتفظ بها الإبداع البشري داخل هذا التحول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى