الذكاء الاصطناعي يتجاوز الرقابة في بريطانيا

تواجه المملكة المتحدة تحديًا متزايدًا في تنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي، مع تسارع تطور التقنيات وتوسع استخدامها في قطاعات حساسة، من التنبؤ بالجرائم وتحليل الأدلة إلى المراقبة والتعرف على الوجه، وسط تحذيرات من أن الأطر القانونية والرقابية لا تواكب هذه التطورات بالسرعة المطلوبة.
وحذر براد سميث، رئيس شركة «مايكروسوفت»، من ضعف الضوابط المنظمة للذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن منتجات يومية مثل الحليب والغسالات تخضع لقواعد تنظيمية وحماية تفوق تلك المفروضة على هذه التكنولوجيا.
ودعا سميث، وفق تصريحات نقلتها هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، إلى وضع قواعد سلامة عالمية، تتضمن إلزام الشركات بإبلاغ المتضررين عند تعرض أنظمتهم للاختراق بواسطة وكلاء ذكاء اصطناعي غير منضبطين، إلى جانب تحديد الحالات التي تستوجب مراجعة مستقلة للمنتجات قبل طرحها في الأسواق.
27 أداة ذكاء اصطناعي تستخدمها أجهزة العدالة الجنائية
كشف مشروع أكاديمي يحمل اسم «Probable Futures»، وفق بيانات نُشرت خلال عام 2026، أن ما لا يقل عن 27 أداة ذكاء اصطناعي تُستخدم فعليًا لدى الشرطة والجهات المعنية بالادعاء العام والسجون والمراقبة القضائية في إنجلترا وويلز.
وأشار المشروع إلى أن 27 أداة أخرى خضعت للاختبار والتجربة، بينما كانت أكثر من 12 أداة إضافية موضوعًا لتجارب غير محددة أو استُخدمت بطرق لم تتضح تفاصيلها.
ورصد المشروع نحو 70 استخدامًا لهذه التقنيات في منظومة العدالة الجنائية، تشمل التعامل مع مكالمات الطوارئ، وتحليل الأدلة ومقاطع الفيديو، والمساعدة في التنبؤ بالجرائم.
وتظهر البيانات أن 41 أداة يمكن استخدامها في التحليل، و19 أداة في دمج المدخلات لاستخلاص معلومات أو توقعات، بينما تستطيع 28 أداة توليد محتوى جديد. وقد تمتلك الأداة الواحدة أكثر من قدرة من هذه القدرات.
وحذر تقرير للمشروع صدر في يونيو/حزيران من اتساع الفجوة بين الإمكانات التقنية المتاحة والضوابط اللازمة لضمان استخدام هذه الأدوات بصورة قانونية وموثوقة ومسؤولة.
الشرطة تقتني تقنيات دون وضوح كامل بشأن قدراتها
تتمثل إحدى المشكلات الرئيسية في عدم وجود إطار قانوني محدد وشامل ينظم استخدام الشرطة للذكاء الاصطناعي في إنجلترا وويلز.
وقال ويليام ويبستر، المسؤول الحكومي المعني بالإشراف على تقنيات القياسات الحيوية والمراقبة، إن أجهزة الشرطة قد تقتني تقنيات متطورة دون استيعاب كامل لقدراتها والتداعيات المترتبة على استخدامها.
ورغم وجود نموذج وطني لاتخاذ القرار بشأن شراء التقنيات الجديدة، أفاد ويبستر بأن مكتبه لم يعثر على دليل يثبت التزام أجهزة الشرطة بهذا النموذج.
وتعمل الحكومة البريطانية على وضع آلية مركزية لشراء التقنيات المخصصة للشرطة، بهدف تعزيز الشفافية والرقابة. لكن تنظيم عملية الشراء وحدها لا يحسم كيفية استخدام الأدوات بعد إدخالها إلى العمل اليومي.
تشريعات التعرف على الوجه لا تغطي جميع المخاطر
من المقرر أن تطرح الحكومة البريطانية، في وقت لاحق من عام 2026، تشريعات لتنظيم استخدام الشرطة لتقنيات التعرف على الوجه.
لكن البيانات التي جمعها مشروع «Probable Futures» تشير إلى أن هذه التقنية ليست سوى جانب محدود من استخدامات الذكاء الاصطناعي في منظومة العدالة، التي تشمل أدوات قادرة على التأثير في تحليل الأدلة وتوجيه مسار القضايا.
وقال تيميتوبي لاوال، الباحث بجامعة نورثمبريا وعضو المشروع، إن بعض أدوات الذكاء الاصطناعي تحقق فوائد حقيقية، لكنه حذر من إدخال تقنيات تُستخدم لصياغة الأدلة أو التأثير في مسار القضايا عبر إجراءات متفرقة، في وقت لم تتطور فيه الأطر القانونية وآليات الحوكمة بالوتيرة نفسها.
تحذيرات من اختراق الأنظمة الحكومية
تزايدت المخاوف من المخاطر السيبرانية مع تطور قدرات وكلاء الذكاء الاصطناعي. فقد حذر الوزير البريطاني المسؤول عن ملف الذكاء الاصطناعي، كانيشكا نارايان، من أن تعرض الدفاعات السيبرانية للبلاد للاختراق في مرحلة ما أمر مرجح، إن لم يكن حتميًا.
واستشهد نارايان بحادثة وقعت في يونيو/حزيران، حين تمكن وكيل ذكاء اصطناعي تابع لشركة «أوبن إيه آي»، بحسب ما ورد في تقرير لـ«بي بي سي»، من اختراق موقع إلكتروني حكومي أسترالي أثناء عمله بصورة غير منضبطة.
وأوضح الوزير أنه لا توجد معلومات تشير إلى الوصول إلى سجلات طبية خلال الحادثة، لكنه وصفها بأنها واقعة تستدعي القلق. وأشار إلى أن الحكومة تعتزم الاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة لتعزيز قدرتها على مواجهة تهديدات مماثلة مستقبلًا.
فجوة متراكمة بين تطور التقنية وإجراءات السلامة
وفي تقرير نُشر في يونيو/حزيران 2026، حذر بيتر واليتش، المسؤول السابق في معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني، من أن الرقابة الحكومية على النماذج المتقدمة تتخلف عن تطور قدراتها، بما يخلق ما وصفه بـ«دين غير مدفوع في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي».
ويرى واليتش، الذي انتقل لاحقًا إلى «معهد كونستيليشن» في الولايات المتحدة، أن الخطر لا يتمثل بالضرورة في حادث مفاجئ واحد، بل في تراكم فجوات صغيرة بين مستوى الأمان الفعلي للأنظمة والمعايير المطلوبة منها.
ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات العامة، قد يؤدي هذا التراكم إلى تراجع تدريجي في قدرة المؤسسات على فهم الأنظمة ومراقبتها والتحكم فيها.
وتتبنى بريطانيا نهجًا يعتمد بدرجة كبيرة على التوجيهات والقواعد الإرشادية، بدلًا من فرض منظومة تشريعية شاملة مماثلة للإطار الأوروبي. وفي هذا السياق، يعمل مكتب مفوض المعلومات البريطاني على إعداد مدونة قواعد ممارسة للذكاء الاصطناعي.
ويحذر الخبراء من أن القواعد وحدها لن تكون كافية ما لم تتوافر داخل المؤسسات العامة الخبرات اللازمة لفهم كيفية عمل الأنظمة ومراقبتها عند استخدامها في مجالات مثل الرعاية الصحية والأمن والخدمات الاجتماعية والضرائب.
نقص الكفاءات يهدد قدرة بريطانيا على مواكبة التطور
لا تقتصر الفجوة على التشريعات والرقابة، بل تمتد إلى نقص العاملين المتخصصين في الذكاء الاصطناعي.
وتوقعت تحليلات نشرتها جهات متخصصة في التوظيف أن تظل 54% من وظائف الذكاء الاصطناعي في بريطانيا شاغرة بحلول عام 2028، مع اتساع الفجوة بين الطلب على المهارات المتخصصة والمعروض من العمالة المحلية.
وبحسب التقديرات، قد يقترب الطلب على المتخصصين في هذا المجال من 300 ألف وظيفة خلال عامين، مقابل نحو 137 ألف عامل متاح محليًا، ما قد يترك أكثر من 160 ألف وظيفة محتملة دون شاغلين.
ورغم جهود معهد الأمن البريطاني لتدريب الموظفين الحكوميين وتجربة مسارات توظيف أسرع، فإن وتيرة تطوير النماذج المتقدمة تظل تحديًا أمام المؤسسات العامة، التي تواجه أيضًا إجراءات توظيف وتحقق أمني قد تستغرق وقتًا طويلًا.
وتبرز هذه المشكلة مع اتساع الفارق بين أعداد العاملين على تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي وأعداد المتخصصين في تقييم مخاطره والحد منها.
التنظيم يحتاج إلى خبرة وقدرات تنفيذية
توضح التجربة البريطانية أن التحدي لا يتعلق فقط بسن قوانين جديدة، بل أيضًا بقدرة المؤسسات على تطبيقها وفهم التقنيات التي تستخدمها.
فمع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجالات حساسة، مثل الأمن والعدالة والخدمات العامة، تصبح الحاجة ملحة إلى الجمع بين التشريعات الواضحة والخبرات الفنية والرقابة المستمرة، لضمان الاستفادة من هذه الأدوات دون الإضرار بالحقوق أو تقويض الثقة العامة.
ويحذر الخبراء من أن استمرار التطور التقني بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات على التحقق من سلامة الأنظمة قد يوسع الفجوة الرقابية، خصوصًا إذا لم تتوافر الموارد البشرية والخبرات اللازمة لمواكبة التحولات المتسارعة.



