تقارير

الحرب بين أمريكا وإيران تضع العالم أمام تحديات الطاقة

دخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يومها السابع والثلاثين وسط تصعيد عسكري متسارع وتبادل واسع للهجمات في أكثر من جبهة في الشرق الأوسط، بينما تتزايد المخاوف الدولية من اتساع نطاق الصراع وتأثيره على الاقتصاد العالمي، خاصة بعد إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

بدأت فصول الأزمة الأخيرة يوم الجمعة، عندما أسقطت الدفاعات الإيرانية مقاتلة أمريكية من طراز إف 15 خلال العمليات العسكرية الجارية منذ نهاية فبراير، وهو ما أدى إلى سقوط طاقم الطائرة داخل الأراضي الإيرانية في منطقة جبلية وعرة. وتمكنت القوات الأمريكية في وقت لاحق من إنقاذ الطيار، بينما بقي ضابط الأسلحة مفقودًا داخل إيران، الأمر الذي أثار مخاوف من تحوله إلى رهينة في حال تمكنت القوات الإيرانية من الوصول إليه.

وفي الساعات التالية بدأت واشنطن في التخطيط لعملية إنقاذ واسعة النطاق شاركت فيها عشرات الطائرات العسكرية ووحدات من القوات الخاصة الأمريكية، بمساندة استخباراتية من وكالة المخابرات المركزية، إضافة إلى دعم إسرائيلي، بحسب مسؤولين أمريكيين.

وفي الساعات الأولى من صباح الأحد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نجاح العملية، مؤكدًا أن القوات الخاصة الأمريكية تمكنت من إنقاذ ضابط الأسلحة المصاب بعد العثور عليه مختبئًا داخل شق صخري في أحد الجبال الإيرانية. ووصف ترامب العملية بأنها واحدة من أكثر عمليات الإنقاذ جرأة في تاريخ الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن العسكري المصاب تعرض لجروح لكنه سيكون بخير.

اقرأ أيضاً:إيران تطالب فيفا بتجميد عضوية إسرائيل وتنتقد ازدواجية المعايير الرياضية

وكشف مسؤولون في الإدارة الأمريكية أن العملية لم تكن سهلة، إذ واجهت القوات المشاركة مقاومة عنيفة من القوات الإيرانية خلال تنفيذ المهمة. كما أوضح السيناتور الأمريكي ديف ماكورميك أن الطيار الذي تم إنقاذه اضطر إلى تسلق نحو سبعة آلاف قدم في أحد الجبال للوصول إلى نقطة الإجلاء المحددة مسبقًا.

وأشارت تقارير إعلامية أمريكية إلى أن طائرتين عسكريتين من طائرات النقل المستخدمة في العملية علقتا داخل المنطقة الجبلية، ما دفع القادة العسكريين إلى تدميرهما لمنع وقوعهما في أيدي القوات الإيرانية، قبل إرسال ثلاث طائرات أخرى لإجلاء الجنود المشاركين في المهمة.

في المقابل أعلنت إيران أن العملية أسفرت عن تدمير عدة طائرات أمريكية، من بينها طائرتا نقل عسكري ومروحيتان من طراز بلاك هوك. كما تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر حطام طائرات محترقة في المنطقة، وهو ما أكدته وكالة رويترز بعد التحقق من موقع الحادث، مع نفي الجانب الأمريكي لخسائر كبيرة في الأرواح.

ووفقًا لمسؤول كبير في الإدارة الأمريكية، فإن عملية الإنقاذ تضمنت أيضًا حملة تضليل استخبارية قادتها وكالة المخابرات المركزية، حيث تم نشر معلومات داخل إيران تفيد بأن القوات الأمريكية تمكنت بالفعل من العثور على العسكري المفقود، وأنه يجري نقله برًا إلى نقطة إخلاء أخرى. وقد ساهمت هذه المعلومات المضللة في إرباك القوات الإيرانية، ومنحت فريق الإنقاذ الوقت الكافي للوصول إلى الضابط المختبئ وإخراجه من المنطقة.

وبالتزامن مع الإعلان عن نجاح العملية، صعد الرئيس الأمريكي من لهجته تجاه إيران، حيث هدد بشكل مباشر بضرب البنية التحتية للطاقة والنقل داخل إيران إذا لم تعمد طهران إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة النفطية العالمية.

وقال ترامب عبر منصته تروث سوشيال إن يوم الثلاثاء سيكون يومًا لاستهداف محطات الكهرباء والجسور في إيران، محذرًا من أن ما سيحدث سيكون غير مسبوق إذا استمر إغلاق المضيق الذي تمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز في العالم.

وفي الوقت نفسه أشار ترامب، خلال مقابلة مع قناة فوكس نيوز، إلى أن إيران تجري مفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة، وأن التوصل إلى اتفاق قد يكون ممكنًا في وقت قريب، وهو ما يعكس رسائل متناقضة أثارت حيرة الأسواق المالية والمراقبين الدوليين بشأن المسار المحتمل للأزمة.

اقرأ أيضاً:ترامب يدرس تغييرات كبيرة في إدارته بعد إحباطه من نتائج الحرب على إيران

على الجانب الآخر أدانت إيران بشدة تهديدات ترامب. وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن الرئيس الأمريكي يتم تضليله من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محذرًا من أن سياسات واشنطن قد تدفع المنطقة بأكملها نحو مواجهة أوسع.

وبالتزامن مع التصريحات السياسية وسعت إيران نطاق عملياتها العسكرية في الخليج، حيث شنت هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ استهدفت منشآت بتروكيماويات في الكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة.

وفي الكويت تسببت الطائرات المسيرة في اندلاع حرائق داخل مصانع بتروكيماويات تديرها شركات تابعة لمؤسسة البترول الكويتية، ما أدى إلى أضرار مادية كبيرة، بحسب ما أعلنته الشركة، بما في ذلك حرائق في مجمع الشويخ ومنشآت تابعة.

كما أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف سفينة مرتبطة بإسرائيل في ميناء جبل علي في دبي، في خطوة تعكس قدرة إيران على نقل المواجهة إلى الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.

وفي إسرائيل أظهرت وسائل الإعلام فرق الإنقاذ وهي تبحث بين الأنقاض في مدينة حيفا شمال البلاد بعد إصابة مبنى سكني بصاروخ إيراني، بينما قال مسعفون إن تسعة أشخاص يتلقون العلاج إثر الهجوم، مع تقارير عن خطر انهيار المبنى.

وتزامن ذلك مع تصعيد عسكري إسرائيلي، إذ أعلنت تل أبيب أنها شنت هجومًا على منشأة بتروكيماويات إيرانية كبيرة يوم السبت، بينما قال مسؤول دفاعي إسرائيلي إن الجيش الإسرائيلي يستعد لتنفيذ ضربات إضافية ضد منشآت الطاقة الإيرانية خلال الأيام المقبلة، لكنه ينتظر الضوء الأخضر من الولايات المتحدة قبل تنفيذها.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من تداعيات إغلاق مضيق هرمز الذي تسيطر إيران على مداخله الجنوبية. فقد أدى تعطيل الملاحة في هذا الممر البحري الضيق إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا، وهو ما انعكس سلبًا على الأسواق والشركات والمستهلكين في مختلف أنحاء العالم.

وبينما تتصاعد العمليات العسكرية، تتعثر في المقابل الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب. فقد حاولت باكستان خلال الأيام الماضية التوسط بين الأطراف المتحاربة، لكن تلك الجهود لم تسفر حتى الآن عن أي اختراق سياسي.

وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن طهران لا تزال متمسكة بضرورة التوصل إلى نهاية حاسمة ودائمة للحرب التي وصفها بأنها غير قانونية ومفروضة على بلاده.

ومع استمرار القتال يرى محللون عسكريون أن الحرب قد تتجه نحو مرحلة أكثر خطورة خلال الأسابيع المقبلة، خاصة مع استمرار إيران في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة. وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن طهران ما زالت تمتلك أكثر من ألف صاروخ يمكن استخدامها خلال الصراع.

كما تشير تقارير استخباراتية إلى أن إيران قادرة على إعادة تشغيل منصات إطلاق الصواريخ المدفونة تحت الأرض بسرعة حتى بعد تعرضها للقصف، وهو ما يمنحها قدرة على مواصلة الهجمات لفترة طويلة.

وفي ظل هذه المعطيات يدرس الجيش الأمريكي عدة خيارات تصعيدية، من بينها إرسال قوات برية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز أو بعض الجزر القريبة منه لضمان حرية الملاحة في الممر البحري الحيوي.

كما تبقى مسألة اليورانيوم عالي التخصيب لدى إيران أحد أخطر الملفات المرتبطة بالحرب، إذ تشير تقديرات إلى أن نحو 440 كيلوغرامًا من هذا اليورانيوم ما زالت مدفونة تحت أنقاض مواقع نووية تعرضت للقصف خلال العمليات العسكرية السابقة.

وتشير تقارير إلى أن أي عملية أمريكية لاستخراج هذه المواد ستتطلب إنزال مئات أو آلاف الجنود داخل الأراضي الإيرانية، والعمل لأسابيع تحت تهديد الهجمات الإيرانية، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد غير مسبوق في الصراع.

وفي سياقٍ متصل، أكدت الدكتورة أريج جبر، الأكاديمية والمحللة السياسية، أن ما يجري في مضيق هرمز لا يمكن فصله عن التحول الأعمق في طبيعة الصراع، حيث لم تعد أدوات المواجهة مقتصرة على القوة العسكرية المباشرة، بل باتت تمتد إلى توظيف الاقتصاد العالمي كساحة ضغط رئيسية. وأوضحت أن إيران تدرك حدود قدرتها على الحسم العسكري، ولذلك تتجه إلى استخدام أوراق غير تقليدية، أبرزها التحكم في ممرات الطاقة، بما يفرض كلفة مرتفعة على النظام الدولي ككل، وليس فقط على خصومها المباشرين.

الدكتورة أريج جبر
الدكتورة أريج جبر

وأضافت أن إغلاق المضيق أو حتى التلويح بذلك لا يستهدف بالضرورة إحداث انقطاع كامل في الإمدادات، بقدر ما يهدف إلى خلق حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية، وهي حالة كفيلة وحدها بإرباك الاقتصاد الدولي. فارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وتعطّل سلاسل الإمداد، كلها نتائج تضع ضغوطًا مباشرة على الدول الصناعية، خصوصًا في أوروبا وآسيا، ما يدفع هذه الدول إلى إعادة تقييم مواقفها السياسية من الصراع.

وأشارت إلى أن هذه الاستراتيجية تعكس محاولة إيرانية واضحة لنقل مركز الثقل في المواجهة، من الميدان العسكري إلى البيئة الاستراتيجية المحيطة بالولايات المتحدة، عبر استهداف الحلفاء بدلًا من الخصم المباشر. وبيّنت أن طهران تراهن على أن ارتفاع كلفة الطاقة عالميًا سيؤدي إلى ضغوط داخلية في تلك الدول، قد تتحول إلى أدوات ضغط سياسية تدفع نحو تقليص التصعيد أو البحث عن تسوية.

وفيما يتعلق باحتمالات توسع الصراع إقليميًا، أوضحت جبر أن الخطر الحقيقي لا يكمن في إعلان حرب شاملة، بل في نمط التوسع التدريجي الناتج عن تفاعلات ميدانية متراكمة. فكل ضربة عسكرية تفتح الباب لرد مضاد، وهذا الرد قد يطال مصالح أطراف أخرى، ما يدفعها إلى الانخراط في الصراع بشكل غير مباشر، ثم مباشر لاحقًا. وبهذا الشكل، يتحول النزاع من مواجهة ثنائية إلى شبكة معقدة من الاشتباكات متعددة الأطراف.

وأكدت أن استهداف البنية التحتية للطاقة والملاحة في الخليج يمثل تحولًا نوعيًا في مسار الصراع، حيث لم يعد الهدف فقط تحقيق ردع عسكري، بل إحداث ضغط اقتصادي واسع النطاق. ولفتت إلى أن هذا النوع من الاستهداف يضع دول الخليج أمام معادلة صعبة، إذ تتحول من أطراف داعمة إلى أطراف متضررة، ما قد يدفعها إلى مراجعة أولوياتها من زاوية حماية استقرارها الداخلي.

وفيما يخص إنقاذ الطيار الأمريكي داخل العمق الإيراني، أشارت إلى أن أهميتها لا تكمن فقط في بعدها العملياتي، بل في دلالاتها الاستراتيجية والإعلامية. وأوضحت أن الولايات المتحدة تسعى من خلال هذه العملية إلى تأكيد قدرتها على الاختراق والوصول إلى الداخل الإيراني، بما يعزز صورة الردع ويعيد تثبيت التفوق الاستخباراتي والعسكري.

في المقابل، بينت أن إيران تحاول تفكيك هذه الرواية عبر تقديم العملية كفشل أو كحدث مكلف للولايات المتحدة، مع التركيز على الخسائر المحتملة أو نجاح الدفاعات الإيرانية في التصدي للهجوم. واعتبرت أن هذا التناقض في السرديات يعكس أن المعركة لا تُدار فقط على الأرض، بل أيضًا في الفضاء الإعلامي والسياسي، حيث يسعى كل طرف إلى توظيف الحدث لتعزيز موقعه.

وشددت على أن انتقال العمليات إلى العمق الإيراني يمثل تصعيدًا بالغ الحساسية، لأنه يمس السيادة بشكل مباشر، ويؤسس لمرحلة جديدة من الردع المتبادل تقوم على الهجمات العميقة، لا الاشتباكات الطرفية فقط. كما حذرت من أن تعقيد هذه العمليات وضيق هامش الخطأ فيها يجعل أي حادثة مشابهة قابلة للتحول إلى نقطة انفجار أوسع.

وأوضحت أن السيناريو الأقرب يتمثل في استمرار حرب استنزاف منخفضة الوتيرة، تتخللها ضربات نوعية ورسائل ردع متبادلة، مع استخدام أدوات اقتصادية واستراتيجية لرفع كلفة المواجهة. كما رجّحت احتمال حدوث تصعيد إقليمي تدريجي نتيجة تفاعل الأحداث، وليس نتيجة قرار مركزي مباشر.

أما على مستوى التسوية، فرأت أنها قد تأتي في شكل تهدئة مؤقتة أو تجميد للصراع، وليس حلًا جذريًا، مدفوعة ببلوغ الكلفة الاقتصادية والأمنية مستوى لا يمكن تحمله. واعتبرت أن مثل هذه التسوية ستكون أقرب إلى “وقف نزف” منها إلى “إنهاء نزاع”.

وأكدت في ختام حديثها أن الصراع الحالي دخل مرحلة معقدة، حيث لا يمتلك أي طرف القدرة على الحسم، لكنه في المقابل يمتلك القدرة على إلحاق الضرر، ما يجعل المستقبل مفتوحًا على مزيج من الاستنزاف والتصعيد المدروس، إلى أن تفرض الضغوط الاقتصادية واقعًا جديدًا يدفع الجميع نحو التهدئة.

من جانبه يرى الدكتور راشد صلاح، الأكاديمي والمحلل السياسي، أن الصراع الحالي يعكس تحولا من المواجهة التقليدية إلى نمط أكثر تعقيدا يجمع بين العمل العسكري والحرب الاستخباراتية. ويؤكد أن عملية إنقاذ العسكري الأمريكي داخل إيران تحمل رسائل استراتيجية، لكنها قد تدفع نحو ردود فعل أكثر تصعيدا.

وأضاف ،أن إغلاق مضيق هرمز يمثل أداة ضغط مؤثرة تتجاوز البعد العسكري، حيث يخلق توترا في أسواق الطاقة ويزيد الضغط على الدول الصناعية، ما قد يدفعها للتدخل سياسيا لاحتواء الأزمة.

كما أشار، إلى أن اتساع الضربات خارج نطاق الأطراف المباشرة يعكس دخول الصراع مرحلة تشابك المصالح، وهو ما يرفع مخاطر التصعيد غير المقصود.

وتابع، أن تعدد الرسائل المتضاربة بين التصعيد العسكري والتلويح بالحلول الدبلوماسية يعكس حالة من إدارة الصراع وليس حسمه، حيث تحاول كل الأطراف تحسين موقعها التفاوضي دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. ويرى أن هذا النهج يبقي المنطقة في حالة توتر مفتوح، مع احتمالات مستمرة لتهدئة مؤقتة تفرضها الضغوط الاقتصادية والدولية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى