قانون إعدام الأسرى.. حين يتحول الردع من سياسة أمنية إلى دعاية انتخابية في إسرائيل

كتبت: هدير البحيري
في مشهد سياسي مضطرب داخل إسرائيل، يبرز قانون الإعدام الجديد ليس بوصفه تشريعًا عقابيًا فحسب، بل كجزء من معركة أوسع تدور داخل المجتمع الإسرائيلي حول من يمتلك حق تعريف “الأمن” و”الردع”.
فالقانون، الذي أثار جدلًا واسعًا، يكشف عن تحول لافت في طريقة توظيف الملف الأمني داخل الحياة السياسية، حيث لم يعد الردع مجرد مفهوم عسكري، بل أصبح عنصرًا مركزيًا في المنافسة الانتخابية وصناعة الرأي العام.
ردع موجه للداخل قبل الخارج
منذ سنوات، يشهد المجتمع الإسرائيلي تراجعًا ملحوظًا في الثقة بالمؤسسات الأمنية والسياسية، خاصة بعد سلسلة من الهزات الأمنية التي أعادت طرح سؤال “من يحمي الدولة؟”.
وفي هذا السياق، باتت الأحزاب — خصوصًا اليمينية — تعتمد على خطاب يقوم على استعادة “هيبة الردع”، ليس فقط تجاه الفلسطينيين، بل تجاه الإسرائيليين.
ويقدم هذا القانون للناخبين باعتباره دليلًا على قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات “حاسمة”، حتى لو كانت مثيرة للجدل. وهنا يتحول الردع من أداة لإدارة الصراع إلى أداة لإدارة الرأي العام، ومن سياسة أمنية إلى رسالة انتخابية.
سباق يميني على “من الأكثر صرامة“
تظهر متابعة الخطاب السياسي داخل إسرائيل أن الأحزاب اليمينية تتنافس على تبني مواقف أكثر تشددًا، في محاولة لاحتكار صورة “الحزب القادر على حماية الدولة”.
وفي هذا السياق، يصبح تمرير قوانين مثل الإعدام جزءًا من سباق سياسي، لا مجرد استجابة لاعتبارات أمنية.
فكل حزب يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره الأكثر قدرة على “استعادة الردع”، بينما يتم تصوير أي معارضة للقانون باعتبارها ضعفًا أو تهاونًا. وهكذا يتحول الأمن إلى عملة انتخابية، والردع إلى شعار سياسي.
تشريع يلبي حاجة نفسية لدى الشعب
بعد 7 أكتوبر، تغير المزاج العام داخل إسرائيل بشكل جذري. فالإحساس بالصدمة والتهديد دفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى البحث عن إجراءات “حاسمة” تعيد لهم الشعور بالسيطرة.
وفي هذا المناخ، يصبح قانون الإعدام — بغض النظر عن جدواه الفعلية — وسيلة لطمأنة الجمهور وإعادة بناء الثقة المهزوزة في الدولة.
بمعنى آخر، القانون يخاطب الوجدان الإسرائيلي أكثر مما يخاطب الواقع الأمني.
الردع كخطاب.. لا كسياسة
واللافت أن القانون لا يقدم حلولًا أمنية حقيقية، ولا يغير من طبيعة الصراع على الأرض، لكنه يقدم خطابًا سياسيًا قويًا يمكن تسويقه بسهولة.
“حسابات داخلية بامتياز”.. عمرو زكريا يوضح: لماذا لا يستهدف قانون الإعدام إيران؟
وفي هذا السياق، قال الخبير في الشؤون الإسرائيلية عمرو زكريا لـ”داي نيوز” إن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين لا يمكن اعتباره رسالة مباشرة لإيران، موضحًا أنه قانون موجه بالأساس إلى العمليات التي ينفذها الفلسطينيون داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ضد الإسرائيليين.
وأكد زكريا أن فكرة هذا القانون ليست جديدة، فقد شهدت السنوات الماضية محاولات عديدة لتمريره، لكنها كانت تفشل بسبب معارضة الأجهزة الأمنية والقانونية الإسرائيلية. إلا أن المشهد تغير تدريجيًا خلال العقد الأخير.
وأشار زكريا إلى أنه في عام 2015 تقدم حزب “إسرائيل بيتنا” برئاسة أفيغدور ليبرمان بأول مقترح في هذا الشأن، لكن الكنيست أسقطه.
وفي عام 2018 أقر القانون في القراءة التمهيدية، غير أنه واجه اعتراضات شرسة من وزارة العدل وجهات حقوقية دولية، ما أدى إلى توقف العمل به. ثم عاد القانون إلى الواجهة بقوة في عام 2021، حين أصبح المطلب الرئيسي للوزير المتطرف إيتمار بن غفير وحزبه “القوة اليهودية”، الذي اشترط إدراجه ضمن الاتفاقات الائتلافية لتشكيل حكومة نتنياهو الحالية. وفي نوفمبر 2025 مر القانون بالقراءة الأولى في الكنيست وسط أجواء الحرب والتحريض المستمر، قبل أن يتم التصديق عليه نهائيًا في القراءتين الثانية والثالثة في 30 مارس، ليصبح قانونًا نافذًا.
وأكد زكريا أن الغرض الأساسي من هذا القانون هو ردع أعمال المقاومة بشكل عام، سواء كانت فلسطينية أو لبنانية.
ويرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية أنه إذا لم يتم إلغاء القانون، فقد يشكل عامل ردع لعمليات القتل العمد تحديدًا.
وأوضح أن من كان ينفذ عمليات قتل ضد مدنيين أو عسكريين إسرائيليين ويتم القبض عليه حيًا كان يعيش في السجن على أمل إطلاق سراحه يومًا ما في صفقة تبادل، كما حدث في صفقات سابقة.
أما في حال تطبيق هذا القانون، فلن يكون لدى منفذي هذه العمليات أي أمل في إطلاق سراح مستقبلي، ما قد يدفعهم إلى التفكير في تنفيذ عمليات القتل العمد بطريقة مختلفة، وربما اللجوء إلى أشكال أخرى من المقاومة.
وأضاف زكريا أن قدرة المجتمع الدولي على منع تنفيذ القانون تبدو محدودة للغاية، خاصة في ظل الحكومات اليمينية التي تتولى الحكم في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، ومع ميل المجتمع الإسرائيلي نحو التشدد والتطرف.
وأشار إلى أن هذه الحكومات لا تهتم كثيرًا بنظرة المجتمع الدولي لإسرائيل، بل تركز على تحقيق أهدافها التوسعية على الأرض، وبناء المستوطنات، وضم المناطق الفلسطينية إلى ما تعتبره “أرض إسرائيل الدينية” وفق معتقداتها.
وأكد أن هذا القانون، مثل غيره من القوانين التي تسن في إسرائيل، يعكس بوضوح طبيعة السياسة الداخلية الإسرائيلية. فعملية سن القوانين في الكنيست تعتمد على موافقة غالبية الأعضاء، أي 61 عضوًا من أصل 120. فإذا حصل مشروع القانون على هذه الأغلبية يصبح نافذًا.
وقال زكريا إن تأثير هذه السياسات الداخلية ظهر أيضًا في عدم قدرة الحكومة على سن قانون يلزم المتدينين الحريديم بالتجنيد في صفوف الجيش الإسرائيلي، رغم النقص الشديد الذي يعانيه الجيش في الجنود بسبب الحروب التي يخوضها منذ أكثر من عامين.
ويرى زكريا أن الأمل الوحيد في عدم تنفيذ القانون يكمن في الطعن عليه أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، التي تعد بمثابة المحكمة الدستورية العليا. فهذه المحكمة تفحص القوانين وتحدد مدى توافقها مع “قوانين الأساس”، وهي القوانين التي تحل محل الدستور الذي لم يقر حتى اليوم بسبب خلافات أبرزها عدم وجود حدود واضحة معترف بها لإسرائيل.
ولفت إلى أنه في حال رفضت المحكمة العليا القانون، سيصبح لاغيًا. لكنه يتساءل عن مدى إمكانية حدوث ذلك.
وقال زكريا إن المحكمة يمكنها الطعن على القانون استنادًا إلى مخالفته قانون أساس: كرامة الإنسان وحريته، أو مبدأ التناسب، أو حق المساواة. كما يمكنها إصدار أمر احترازي لتجميد تنفيذ القانون لحين الفصل فيه، وهو ما يتوقع أن يحدث سريعًا. لكنه يستبعد أن تلغي المحكمة القانون بالكامل، بل قد تدخل تعديلات كبيرة عليه، مثل جعل الإعدام اختياريًا وليس إلزاميًا، أو زيادة شروط المحاكمة، أو توسيع حقوق الاستئناف. وهذا يعني أن تطبيق القانون سيكون محدودًا وصعبًا دون تدخل قضائي.
ويخلص زكريا إلى أن الفرصة الأكبر حاليًا تتمثل في تعديل القانون أو تجميده مؤقتًا، بينما يظل احتمال إلغائه نهائيًا ضعيفًا، وفرصة تطبيقه بالكامل دون أي تعديل ضئيلة جدًا.



