أوروبا تشدد قبضتها التجارية على الصين

تصاعدت في الآونة الأخيرة المخاوف داخل الاتحاد الأوروبي من اتساع العجز التجاري مع الصين، والذي يُقدَّر بأكثر من مليار يورو يوميًا، في ظل استمرار تدفق السلع الصينية المدعومة حكوميًا وهيمنتها على قطاعات استراتيجية مثل المعادن النادرة وصناعة الرقائق الإلكترونية، وفق ما نقلته تقارير اقتصادية.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن هذا الوضع يضع الصناعات المحلية تحت ضغط متزايد، ويهدد قدرتها التنافسية على المدى الطويل، خاصة مع استمرار تدفق المنتجات الصينية إلى الأسواق الأوروبية بأسعار منخفضة نسبيًا.
وفي هذا السياق، وصف كبير المفاوضين التجاريين في الاتحاد الأوروبي، ماروش سيفكوفيتش، العلاقات التجارية مع الصين بأنها “غير قابلة للاستمرار بالشكل الحالي”، مشيرًا إلى الحاجة إلى وضع آليات واضحة لتنويع سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد على بكين في القطاعات الحيوية.
من جانبه، لوّح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإمكانية اتخاذ إجراءات أكثر تشددًا، قد تشمل فرض رسوم جمركية، إذا لم تُعالج الصين الخلل المتزايد في الميزان التجاري مع أوروبا.
ورغم الاتفاق السياسي العام داخل الاتحاد الأوروبي على أهمية تنويع مصادر التوريد، فإن بعض الدول الأعضاء ترى أن تنفيذ هذا التحول بشكل كامل يحتاج إلى سنوات طويلة، ما يدفع نحو تبني نهج تدريجي لتقليل الاعتماد على السوق الصينية.
وفي المقابل، شهدت السنوات الأخيرة محاولات أوروبية لإعادة التوازن، من بينها مناقشة رفع قيود مؤقتة عن بعض الشركات الصينية في قطاع الرقائق، إلى جانب تعزيز دور دول مثل إسبانيا كمراكز لاستيراد وتوزيع السيارات الصينية داخل أوروبا.
وتعكس هذه التطورات تحولًا تدريجيًا في موقف الاتحاد الأوروبي، الذي كان قد صنف الصين منذ عام 2019 كمنافس اقتصادي وخصم استراتيجي، نتيجة تزايد الشكاوى من عدم تكافؤ الفرص التجارية واتساع الفجوة في الميزان التجاري.
ورغم ذلك، استمرت العلاقات الاقتصادية بين الجانبين في مستوى مرتفع، مدفوعة باعتماد شركات أوروبية كبرى، خاصة في ألمانيا، على السوق الصينية كمصدر رئيسي للصادرات، وهو ما جعل فرض القيود مسألة معقدة سياسيًا واقتصاديًا.
في الوقت نفسه، تعاني شركات السيارات الألمانية من تراجع واضح في مبيعاتها داخل الصين، حيث انخفضت الشحنات بنحو الثلث خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق، فيما خفضت شركات كبرى مثل “بي إم دبليو” توقعاتها للأرباح بسبب ضعف الطلب وشدة المنافسة.
كما ارتفع العجز التجاري الإجمالي للاتحاد الأوروبي مع الصين إلى نحو 360 مليار يورو في عام 2025، مع استمرار ارتفاعه خلال العام الجاري، ما يعزز المخاوف من زيادة الاعتماد الأوروبي على الواردات الصينية، خاصة في ظل احتمالات تحويل فائض الصادرات الصينية من الأسواق الأمريكية إلى السوق الأوروبية نتيجة الرسوم الجمركية المرتفعة في الولايات المتحدة.



